أَكْثَرُهُمْ) أي : هؤلاء المدّعون (لا يَعْلَمُونَ الْحَقَ) فلا يميزون بينه وبين الباطل بل أكثرهم جهلة ، والجهل أصل الشرّ والفساد (فَهُمْ) أي : فتسبب عن جهلهم ما افتتحنا به السورة من أنهم (مُعْرِضُونَ) عن التوحيد واتباع الرسل.
ولما كان الإرسال بالفعل غير مستغرق للزمان المتقدّم كما أنّ الرسالة لا يقوم بها كل واحد ، فكذلك الإرسال لا يصلح له كل زمن أثبت الجار في قوله تعالى : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ) وأغرق في النفي فقال : (مِنْ رَسُولٍ) في شيع الأوّلين (إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ) من عندنا (أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) وهذا مقرّر لما سبقه من آي التوحيد ، وقال تعالى : إلا أنا ، ولم يقل : نحن لئلا يجعلوا ذلك وسيلة إلى ما ادّعوه من تعدّد الآلهة ، ولذلك قال : فاعبدون بالإفراد ، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بالنون وكسر الحاء ، والباقون بالياء وفتح الحاء.
ولما بيّن سبحانه وتعالى بالدلائل الباهرة كونه منزها عن الشريك والضدّ والندّ أردف ذلك ببراءته عن اتخاذ الولد بقوله : (وَقالُوا اتَّخَذَ) أي : تكلف كما يتكلف من لا يكون له ولد (الرَّحْمنُ) أي : الذي كل موجود من فيض نعمه (وَلَداً) نزل في خزاعة حيث قالوا : الملائكة بنات الله ، وقيل : نزل ذلك في اليهود حيث قالوا : إنه تعالى صاهر الجن ، فكانت منهم الملائكة كما حكى الله تعالى عنهم قولهم ، وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ، ثم إنه سبحانه وتعالى نزه نفسه عن ذلك بقوله تعالى : (سُبْحانَهُ) أي : تنزه عن أن يكون له ولد ، فإنّ ذلك يقتضي المجانسة بينه وبين الولد ، ولا تصح مجانسة النعمة للمنعم الحقيقي (بَلْ) أي : الذين جعلوهم له ولدا وهم الملائكة (عِبادٌ) من عباده أنعم عليهم بالإيجاد كما أنعم على غيرهم لا أولاد ، فإنّ العبودية تنافي الولدية (مُكْرَمُونَ) بالعصمة من الزلل ولذلك فسر الإكرام بقوله تعالى : (لا يَسْبِقُونَهُ) أي : لا يسبقون إذنه (بِالْقَوْلِ) أي : لا يقولون شيئا حتى يقوله كما هو شأن العبيد المؤدّبين (وَهُمْ بِأَمْرِهِ) إذا أمرهم (يَعْمَلُونَ) لا بغيره لأنهم في غاية المراقبة له تعالى ، فجمعوا في الطاعة بين القول والفعل ، وذلك غاية الطاعة.
ثم علل إخباره بذلك بعلمه بما هذا المخبر به مندرج فيه بقوله تعالى : (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ) أي : ما عملوا وما هم عاملون لا تخفى عليه تعالى خافية مما قدّموا وأخروا ، ثم صرح تعالى بلازم الجملة الأولى ، فقال : (وَلا يَشْفَعُونَ) أي : لا في الدنيا ، ولا في الآخرة (إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى) فلا تطمعوا في شفاعتهم لكم بغير رضاه تعالى ، قال ابن عباس والضحاك : إلا لمن ارتضى أي : لمن قال : لا إله إلا الله ، فسقط بذلك قول المعتزلة : إنّ الشفاعة في الآخرة لا تكون لأهل الكبائر ، ثم صرّح بلازم الجملة الثانية فقال : (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ) أي : لا من غيرها (مُشْفِقُونَ) أي : خائفون ، وأصل الخشية خوف مع تعظيم ، ولذلك خص بها العلماء والإشفاق خوف مع اعتناء ، فإن عدّي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر ، وإن عدّي بعلى فبالعكس.
ولما نفى تعالى الشريك مطلقا ، ثم مقيدا بالولدية أتبعه التهديد على ادّعائه بتعذيب المتبوع الموجب لتعذيب التابع بقوله تعالى : (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ) أي : من الخلائق حتى العباد المكرمين الذين وصف كرامتهم وقرب منزلتهم عنده ، وأثنى عليهم (إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ) أي : الله أي غيره ، والذي قال ذلك كما قال الجلال المحلي هو إبليس دعا إلى عبادة نفسه ، وأمر بطاعتها (فَذلِكَ) أي : اللعين الذي لا يصلح للتقريب أصلا (نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ) لظلمه (كَذلِكَ) أي : مثل هذا الجزاء
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
