يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤))
(وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ) أي : الأجرام العالية ، وهي ما تحت العرش ، وجمع السماء هنا لاقتضاء تفخيم الملك ذلك ، ولما كانت عقولهم لا تدرك تعدّد الأرض وحدها ، فقال : (وَالْأَرْضِ) أي : له ذلك خلقا وملكا أنه منزه عن طاعتهم ؛ لأنه هو المالك لجميع المحدثات والمخلوقات ، وعبر بمن تغليبا للعقلاء ، وقوله تعالى : (وَمَنْ عِنْدَهُ) أي : وهم الملائكة بإجماع الأمة ، ولأن الله تعالى وصفهم بأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، وهذا لا يليق بالبشر ، مبتدأ خبره (لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ) بنوع كبر طلبا ولا إيجادا ، وخصهم بالذكر لكرامتهم عليه تنزيلا لهم منزلة المقرّبين عند الملك.
تنبيه : هذه العندية للشرف والرتبة لا عندية المكان والجهة ، فكأنه تعالى قال : الملائكة مع كمال شرفهم وعلو مراتبهم ، ونهاية جلالتهم لا يستكبرون عن عبادته ، فكيف يليق بالبشر الضعيف التمرد عن طاعته (وَ) مع ذلك أيضا (لا يَسْتَحْسِرُونَ) أي : لا يعيون ، وإنما جيء بالاستحسار الذي هو أبلغ من الحسور تنبيها على أن عبادتهم من ثقلها ودوامها حقيقة بأن يستحسر منها ولا يستحسرون ، ولا يطلبون أن ينقطعوا عنها ، فأنتج ذلك قوله تعالى : (يُسَبِّحُونَ) أي : ينزهون المستحق للتنزيه بأنواع التنزيه من الأقوال والأفعال (اللَّيْلَ وَالنَّهارَ) أي : جميع آنائهما دائما (لا يَفْتُرُونَ) أي : عن ذلك وقتا من الأوقات ، فهو منهم كالنفس منا لا يشغلنا عنه شاغل.
ولما كانوا عند هذا البيان جديرين بأن يبادروا إلى التوحيد ، فلم يفعلوا كانوا حقيقين بعد الإعراض عنهم بالتوبيخ والتهكم والتعنيف ، فقال تعالى : (أَمِ اتَّخَذُوا) أي : بل اتخذوا ، فأم بمعنى بل للانتقال والهمزة لإنكار اتخاذهم (آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ) ومعنى نسبتها إلى الأرض الإيذان بأنها الأصنام التي تعبد في الأرض ؛ لأن الآلهة على ضربين : أرضية وسماوية ، ومن ذلك حديث الأمة التي قال لها رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «أين ربك؟ فأشارت إلى السماء ، فقال : إنها مؤمنة» (١) ؛ لأنه فهم منها أن مرادها نفي الآلهة الأرضية التي هي الأصنام لا إثبات أن السماء مكان الله تعالى ، ويجوز أن يراد آلهة من جنس الأرض ؛ لأنها إمّا أن تنحت من بعض الحجارة أو تعمل من بعض جواهر الأرض (هُمْ يُنْشِرُونَ) أي : يحيون الموتى لا يقدرون على ذلك ، وهم وإن لم يصرّحوا بذلك لزم من ادعائهم لها آلهة أنهم يقدرون على ذلك ، فإنّ من لوازمها الاقتدار على جميع الممكنات ، فالمراد به تجهيلهم والتهكم بهم ، وللمبالغة في ذلك زيد الضمير الموهم لاختصاص الانتشار بهم.
__________________
(١) أخرجه مسلم في المساجد حديث ٣٣ ، والنسائي في الكلام في الصلاة حديث ١٢١٨ ، وأحمد في المسند ٤ / ٢٢٢ ، ٣٨٨ ، ٣٨٩ ، ٥ / ٤٤٧.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
