كتابهم وسألوا النصارى فزعموا أنهم لا يعرفونه وقالت اليهود نجده في كتابنا وهذا زمانه وقد سألنا رحمن اليمامة عن ثلاث فلم يعرف فسلوه عنهنّ فإن أخبركم عن خصلتين فاتبعوه فسألوه عن قصة أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فلم يدر كيف يجيب فوعدهم أن يجيبهم غدا ولم يقل إن شاء الله فاحتبس الوحي عنه أربعين يوما وقيل : خمسة عشر يوما فشقّ ذلك عليه مشقة عظيمة وقال المشركون : ودعه ربه وقلاه فلما نزل جبريل قال له النبيّ صلىاللهعليهوسلم : أبطأت حتى ساء ظني واشتقت إليك ، قال : إني إليك أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتبست فنزلت هذه الآية وأنزل قوله تعالى : (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) [الكهف ، ٢٢ ـ ٢٣] وسورة الضحى» فإن قيل : قوله : (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا) كلام الله وقوله : (وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ) كلام غير الله فكيف جاز عطف هذا على ما قبله من غير فصل؟ أجيب : بأنه إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح كقوله تعالى : (وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [البقرة ، ١١٧] وهذا كلام الله تعالى ثم عطف عليه قوله : (وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ) [مريم ، ٣٦] ثم علل جبريل قوله ذلك بقوله : (لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا) أي : أمامنا من أمور الآخرة (وَما خَلْفَنا) أي : أمور الدنيا (وَما بَيْنَ ذلِكَ) أي : ما يكون من هذا الوقت إلى قيام الساعة أي : له علم ذلك جميعه ، وقيل : (ما بَيْنَ ذلِكَ) ما بين النفختين وبينهما أربعون سنة وقيل : (ما بَيْنَ أَيْدِينا) ما بقي من الدنيا (وَما خَلْفَنا) ما مضى منها (وَما بَيْنَ ذلِكَ) مدّة حياتنا وقيل : (ما بَيْنَ أَيْدِينا) بعد أن نموت (وَما خَلْفَنا) قبل أن نخلق (وَما بَيْنَ ذلِكَ) مدّة الحياة وقيل : ما بين أيدينا الأرض إذا أردنا النزول إليها وما خلفنا السماء وما ينزل منها وما بين ذلك الهواء يريد أنّ ذلك كله لله فلا نقدر على شيء إلا بأمره (وَما كانَ رَبُّكَ) المحسن إليك (نَسِيًّا) بمعنى ناسيا أي : تاركا لك بتأخير الوحي عنك لقوله تعالى : (ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) [الضحى ، ٣] أي : وما كان امتناع النزول إلا لامتناع الأمر به وما كان ذلك عن ترك الله تعالى لك وتوديعه إياك.
ثم استدل على ذلك بقوله : (رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما) فلا يجوز عليه النسيان إذ لا بدّ أن يمسكهما حالا بعد حال وإلا لبطل الأمر فيهما وفيمن يتصرّف ، والآية دالة على أنّ الله تعالى رب لكل شيء حصل بينهما ففعل العبد مخلوق له تعالى لأنّ فعل العبد حاصل بين السماء والأرض.
تنبيه : يجوز في رب أن يكون بدلا من ربك وأن يكون خبر مبتدأ مضمر أي : هو رب وقوله تعالى : (فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ) خطاب للنبيّ صلىاللهعليهوسلم مرتب على ما تقدّم أي : لما عرفت أنّ ربك لا ينساك فاعبده بالمراقبة الدائمة على ما ينبغي من مثلك واصطبر عليها ولا تتشوش بإبطاء الوحي وهزء الكفار بك.
فإن قيل : لم لم يقل واصطبر على عبادته لأنها صلته فكان حقه تعديه بعلى؟ أجيب : بأنه ضمن معنى الثبات لأنّ العبادة ذات تكاليف قلّ من يثبت لها فكأنه قيل : اثبت لها مصطبرا كقولك للمحارب : اصبر لقرنك ثم علل ذلك بقوله : (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) قال ابن عباس : هل تعلم له مثلا أي : نظيرا فيما يقتضي العبادة والذي يقتضيها كون منعما بأصول النعم وفروعها وهي خلق الأجسام والحياة والعقل وغيرها ، فإنه لا يقدر على ذلك أحد سواه سبحانه وتعالى وإذا كان قد أنعم عليك بغاية الإنعام وجب أن تعظمه بغاية التعظيم وهي العبادة.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
