الأوّل قوله : (لِمَ تَعْبُدُ) مريدا بالاستفهام المجاملة واللطف والرفق واللين والأدب الجميل في نصحه له كاشفا الأمر غاية الكشف بقوله : (ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ) أي : ليس عنده قابلية لشيء من هذين الوصفين ليرى ما أنت فيه من خدمته أو يجيبك إذا ناديته حالا أو مالا (وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً) في جلب نفع ودفع ضرّ فوصف الأوثان بصفات ثلاث كل واحدة منها قادحة في الإلهية وبيان ذلك من وجوه :
أحدها : أنّ العبادة غاية التعظيم فلا تستحق إلا لمن له غاية الإنعام وهو الإله الذي منه أصول النعم وفروعها على ما تقرّر في تفسير قوله : (وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ) [مريم ، ٣٦] وكما أنه لا يجوز الاشتغال بشكر ما لم تكن منعمة وجب أن لا يجوز الاشتغال بعبادتها.
وثانيها : أنها إذا لم تسمع ولا تبصر ولا تميز من يطيعها عمن يعصيها فأيّ فائدة في عبادتها؟
وهذا تنبيه على أنّ الإله يجب أن يكون عالما بكل المعلومات.
وثالثها : أنّ الدعاء مخ العبادة فإذا لم يسمع الوثن دعاء الداعي فأيّ منفعة في عبادته وإذا لم يبصر تقرّب من يتقرّب إليه فأيّ منفعة في ذلك التقرّب.
ورابعها : أنّ السامع المبصر الضارّ النافع أفضل ممن كان عاريا عن كل ذلك والإنسان موصوف بهذه الصفات فيكون أفضل وأكمل من الوثن فكيف يليق بالأفضل عبودية الأخس.
وخامسها : إن كانت لا تنفع ولا تضر فلا يرجى بها منفعة ولا يخاف من ضررها فأيّ فائدة في عبادتها؟.
وسادسها : إذا كانت لا تحفظ نفسها عن الكسر والإفساد حين جعلها إبراهيم جذاذا فأي رجاء فيها للغير؟ فكأنه قال : ليست الإلهية إلا لرب يسمع ويبصر ويجيب دعوة الداعي إذا دعاه.
النوع الثاني : قوله : (يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي) من المعبود الحق (مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ) منه (فَاتَّبِعْنِي) أي : فتسبب من ذلك أني أقول لك وجوبا عليّ للنهي عن المنكر ونصيحة لما لك عليّ من الحق اجتهد في تبعي (أَهْدِكَ صِراطاً) أي : طريقا (سَوِيًّا) أي : مستقيما كما أني لو كنت معك في طريق محسوس وأخبرتك أنّ أمامنا مهلكا لا ينجو منه أحد وأمرتك أن تسلك مكانا غير ذلك لأطعتني ولو عصيتني فيه عدّك كل أحد غاويا.
النوع الثالث : قوله : (يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ) فإنّ الأصنام ليس لها دعوة أصلا والله تعالى قد حرّم عبادة غيره مطلقا على لسان كل وليّ فتعين أن يكون الآمر بذلك الشيطان فكأنه هو المعبود بعبادتها في الحقيقة ثم علل هذا النهي بقوله (إِنَّ الشَّيْطانَ) البعيد من كل خير المحترق باللعنة (كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا) بالقوّة من حين خلق وبالفعل من حين أمره بالسجود لأبيك آدم فأبى فهو عدوّ لله وله والمطيع للعاصي لشيء عاص لذلك الشيء لأنّ صديق العدوّ عدوّ.
فإن قيل : هذا القول يتوقف على إثبات أمور ؛ أحدها : إثبات الصانع ، وثانيها : إثبات الشيطان ، وثالثها : أنّ الشيطان عاص ، ورابعها : أنه لما كان عاصيا لم تجز طاعته ، وخامسها : أن الاعتقاد الذي كان عليه آزر مستفاد من طاعة الشيطان ومن شأن الدلالة التي تورد على الشخص أن تكون مركبة من مقدّمات معلومة ليسلمها الخصم ولعلّ إبراهيم كان منازعا في هذه المقدّمات وكيف والمحكي عنه أنه ما كان يثبت إلها سوى نمروذ فكيف يسلم وجود الرحمن وإذا لم يسلم وجوده فكيف يسلم أنّ الشيطان عاص للرحمن وبتقدير تسليم ذلك فكيف يسلم الخصم بمجرّد هذا الكلام
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
