أين لك هذا الولد لأنّ هذا القول ظاهره التوبيخ وفي هارون هذا أربعة أقوال :
أحدها : أنه رجل صالح من بني اسرائيل ينسب إليه كل من عرف بالصلاح والمراد أنك كنت في الزهد كهارون فكيف صرت هكذا؟ وروي أنّ هارون هذا لما مات تبع جنازته أربعون ألفا كلهم يسمى هارون من بني اسرائيل تبركا باسمه ، سوى سائر الناس شبهوها به على معنى إنا ظننا أنك مثله في الصلاح وليس المراد منه الأخوّة في النسب كقوله تعالى : (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ) [الإسراء ، ٢٧] وروى المغيرة بن شعبة قال : لما قدمت نجران سألوني فقالوا : إنكم تقرؤون (يا أُخْتَ هارُونَ) وموسى قبل عيسى بكذا وكذا فلما قدمت على رسول الله صلىاللهعليهوسلم سألته عن ذلك فقال : «إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم» (١) قال ابن كثير : وأخطأ محمد بن كعب القرظي في زعمه أنها أخت موسى وهارون نسبا فإنّ بينهما من الدهور الطويلة ما لا يخفى على من عنده أدنى علم وكأنه غرّه في أوّل التوراة أنّ مريم أخت موسى وهارون ضربت بالدف يوم نجى الله تعالى موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه وجنوده فاعتقد أنّ هذه هي تلك وهذا في غاية البطلان والمخالفة للحديث الصحيح المتقدّم.
الثاني : أنه هارون أخو موسى لأنها كانت من نسله كما يقال التميمي يا أخا تميم وللهمداني يا أخا همدان أي : يا واحدا منهم.
الثالث : أنه كان فاسقا في بني اسرائيل فنسبت إليه أي : شبهوها به.
الرابع : أنه كان لها أخ من أبيها يسمى هارون من صلحاء بني اسرائيل فعيرت به قال الرازي :
وهذا هو الأقرب لوجهين ؛ الأول : أنّ الأصل في الكلام الحقيقة فيحمل الكلام على أخيها المسمى بهارون الثاني : أنها أضيفت إليه ووصف أبواها بالصلاح فحينئذ يصير التوبيخ أشدّ لأن من كان حال أبويه وأخيه بهذا الحال يكون صدور الذنب منه أفحش
(فَأَشارَتْ إِلَيْهِ) أي : لما بالغوا في توبيخها سكتت وأشارت إلى عيسى أنه هو الذي يجيبكم قال ابن مسعود لما لم يكن لها حجة أشارت إليه ليكون كلامه حجة لها وعن السدي لما أشارت إليه غضبوا وقالوا : سخريتها بنا أشدّ من زناها ثم (قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) لم يبلغ سنّ هذا الكلام الذي لا يقوله إلا الأكابر العقلاء بل الأنبياء والتعبير بكان يدل على أنه عند الإشارة إليه لم يحوجهم إلا أن يكلموه بل حين سمع المحاورة ورأى الإشارة بدا منه قول خارق لعادة الرضعاء بل الصبيان روي أنه كان يرضع فلما سمع ذلك ترك الرضاعة وأقبل عليهم بوجهه واتكأ على يساره وأشار بسبابة يمينه وقيل : كلمهم ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغا يتكلم فيه الصبيان.
تنبيه : في كان هذه أقوال أحدها : إنها زائدة وهو قول أبي عبيد أي : كيف نكلم من في المهد وصبيا على هذا نصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور الواقع صلة.
ثانيها : أنها تامّة بمعنى حدث ووجد والتقدير : كيف نكلم من وجد صبيا؟ وصبيا حال من الضمير في كان قال الرازي : وهذا هو الأقرب.
الثالث : أنها بمعنى صار أي : كيف نكلم من صار في المهد صبيا وصبيا على هذا خبرها ، فإن قيل : كيف عرفت مريم من حال عيسى أنه يتكلم؟ أجيب : بأنّ جبريل أو عيسى لما ناداها من
__________________
(١) أخرجه مسلم حديث ١٦٨٥ ، وأحمد في المسند ٤ / ٢٥٢ ، وابن حجر في فتح الباري ١٠ / ٢٥٢.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
