المعجزات الظاهرة وصاحب التوراة ، وعن كعب الأحبار أنه موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب وهو قد كان نبيا قبل موسى بن عمران ، قال البغوي : والأول أصح واحتج له القفال بأن الله تعالى لم يذكر في كتابه موسى إلا أراد به صاحب التوراة فاطلاق هذا الاسم يوجب الانصراف إليه ، ولو كان المراد شخصا آخر يسمى موسى غيره لوجب تعريفه بصفة توجب الامتياز وإزالة الشبهة كما أنه لما كان المشهور في العرف عن أبي حنيفة هذا الرجل المعين ، فلو ذكرنا هذا الاسم وأردنا به رجلا سواه لقيدناه مثل أن نقول : قال أبو حنيفة الدينوري. وعن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني اسرائيل ، فقال ابن عباس : كذب عدوّ الله ونوف البكالي هو نوف بن فضالة الحميريّ الشامي البكالي ، ويقال : إنه دمشقي وكانت أمه زوجة كعب الأحبار نقله ابن كثير ، وحجة الذين قالوا : موسى هذا غير صاحب التوراة أنه يقال بعد أن أنزل عليه التوراة وكلمه بلا واسطة وخصه بالمعجزات الباهرة العظيمة التي لم يتفق مثلها لأكبر أكابر الأنبياء يبعد أن يبعثه بعد ذلك إلى التعلم والاستفادة وأجيب : بأنه لا يبعد أن يكون العالم الكامل في كثرة العلوم يجهل بعض العلوم فيحتاج في تعلمها إلى من هو دونه وهو أمر متعارف.
روى البخاري حديث أن موسى قام خطيبا في بني اسرائيل فسئل أي الناس أعلم؟ قال : أنا فعتب الله تعالى عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله تعالى إليه أنّ لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك قال : يا رب فكيف لي به قال : تأخذ حوتا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثمّ فأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم قال : (لا أَبْرَحُ) أي : لا أزال أسير في طلب العبد الذي أعلمني ربي بفضله (حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) أي : ملتقى بحر الروم وبحر فارس مما يلي الشرق قاله قتادة أي : المكان الجامع لذلك فألقاه هناك (أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً) أي : دهرا طويلا في بلوغه إن لم أظفر به بمجمع البحرين الذي جعله ربي موعدا لي في لقائه والحقب ، قال في «القاموس» : ثمانون سنة أو أكثر والدهر والسنة والسنون انتهى. فسارا وتزوّدا حوتا مشويا في مكتل كما أمر به فكانا يأكلان منه إلى أن بلغا المجمع كما قال تعالى : (فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما) أي : بين البحرين قال لفتاه : إذا فقدت الحوت فأخبرني وناما واضطرب الحوت في المكتل وخرج وسقط في البحر فلما استيقظا (نَسِيا حُوتَهُما) أي : نسي يوشع حمله عند الرحيل ونسي موسى تذكيره وقيل : الناسي يوشع فقط وهو على حذف مضاف أي : نسي أحدهما كقوله تعالى : (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) [الرحمن ، ٢٢](فَاتَّخَذَ) الحوت (سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ) أي : جعله بجعل الله (سَرَباً) أي : مثل السرب وهو الشق الطويل لا نفاذ له وذلك أنّ الله تعالى أمسك عن الحوت جري الماء فانجاب عنه فبقي كالكوة لم يلتئم وجمد ما تحته ، وقد ورد في حديثه في الصحيح أنّ الله تعالى أحياه وأمسك عن موضع جريه في الماء فصار طاقا لا يلتئم وكأنّ المجمع كان ممتدا فظن أنّ المطلوب أمامه أو ظنّ المراد مجمع البحرين آخرا فسارا.
(فَلَمَّا جاوَزا) ذلك المكان بالسير بقية يومهما وليلتهما واستمرّا إلى وقت الغداء من ثاني يوم (قالَ) موسى (لِفَتاهُ آتِنا) أي : أحضر لنا (غَداءَنا) وهو ما يؤكل أوّل النهار لنقوى به على ما حصل لنا من الإعياء ولذلك وصل به قوله : (لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً) أي : تعبا ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله تعالى به فقوله هذا إشارة إلى السفر الذي وقع بعد
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
