الإنتاج وهو أن المال والبنون زينة الحياة الدنيا ولما كانت زينة الحياة الدنيا سريعة الانقضاء والانقراض أنتج إنتاجا بديهيا أنّ المال والبنون سريع الانقضاء والانقراض وما كان كذلك فإنه ينتج بالعقل أن لا يفتخر به أو يفرح بسببه أو يقيم له في نظره وزنا وهذا برهان ظاهر باهر على فساد قول أولئك المشركين الذين افتخروا على فقراء المؤمنين بكثرة الأموال. ثم ذكر تعالى ما يدل على رجحان أولئك الفقراء على أولئك الكفار من الأغنياء فقال : (وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ) أي : من الزينة الفانية لأنّ خيرات الدنيا منقرضة منقضية وخيرات الآخرة دائمة باقية والدائم الباقي خير من المنقرض المنقضي وهذا معلوم بالضرورة لا سيما وقد ثبت أنّ خيرات الدنيا حقيرة خسيسة وأنّ خيرات الآخرة رفيعة شريفة.
والمفسرون ذكروا في الباقيات الصالحات أقوالا أحدها : أنها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وزاد بعضهم ولا حول ولا قوّة إلا بالله. وللغزالي في تفسير غير الزيادة وجه لطيف فقال : روي أنّ من قال : سبحان الله حصل له من الثواب عشر حسنات فإذا قال : الحمد لله صارت عشرين فإذا قال : ولا إله إلا الله صارت ثلاثين فإذا قال : والله أكبر صارت أربعين وتحقيق القول فيه أنّ مراتب الثواب أعظمها هو الاستغراق في معرفة الله تعالى وفي محبته فإذا قال : سبحان الله فقد عرف كونه تعالى منزها عن كل ما لا يليق به وكل ما لا ينبغي فحصول هذا العرفان سعادة عظيمة وبهجة كاملة فإذا قال مع ذلك : الحمد لله فقد أقرّ بأنّ الحق سبحانه وتعالى مع كونه منزها عن كل ما لا ينبغي فهو المبتدئ لكل ما ينبغي ولإفاضة كل [الخيرات](١).
فقد تضاعفت درجات المعرفة فلا جرم قلنا بمضاعفة الثواب فإذا قال مع ذلك : لا إله إلا الله فقد أقر بأن الذي تنزه عن كل ما لا ينبغي وهو المبتدئ لكل ما ينبغي ليس في الوجود موجود هكذا إلا هو الواحد فقد صارت مراتب المعرفة ثلاثة فلا جرم صارت درجات الثواب ثلاثة فإذا قال العبد : والله أكبر فمعنى أنه أكبر أنه أعظم من أن يصل العقل إلى كنه كبريائه وجلاله فقد صارت مراتب المعرفة أربعة فلا جرم صارت درجات الثواب أربعة. وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس» (٢). وعن أبي سعيد الخدري أنه قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «استكثروا من الباقيات الصالحات ، قيل : وما هنّ يا رسول الله قال : التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله» (٣).
ثانيها : أنها الصلاة الخمس.
ثالثها أنها الطيب من القول.
رابعها وهو أعمها ، وأولاها أنها أعمال الخيرات التي تبقى ثمراتها أبد الآباد فيندرج في ذلك الصلاة وأعمال الحج وصيام رمضان وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا
__________________
(١) في الأصل كلمة مطموسة وغير مقروءة ، ولعلها «الخيرات» والله أعلم.
(٢) أخرجه مسلم في الذكر حديث ٢٦٩٥ ، والترمذي في الدعوات حديث ٣٥٩٧.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٣ / ٧٥ ، والحاكم في المستدرك ١ / ٥١٣ ، والسيوطي في الدر المنثور ٤ / ٢٢٤ ، وابن كثير في تفسيره ٥ / ١٥٩ ، والطبري في تفسيره ١٥ / ١٦٧.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
