ورأيت كلا أخويك ومررت بكلا أخويك وجاءني كلتا أختيك ورأيت كلتا أختيك ومررت بكلتا أختيك. وإذا أضيفا إلى المضمر كانا في الرفع بالألف وفي الجرّ والنصب بالياء وبعضهم يقول مع المضمر بالألف في الأحوال الثلاثة أيضا فقوله تعالى : (آتَتْ أُكُلَها) حمل على اللفظ لأنّ كلتا لفظ مفرد ولو قيل : آتتا على المعنى لجاز.
الصفة الرابعة : قوله تعالى : (وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً) أي : وسطهما وبينهما ومنه قوله تعالى : (وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ) [التوبة ، ٤٧] ومنه يقال : خللت القوم ، أي : دخلت القوم وذلك ليدوم شربهما ويستغنيا عن المطر عند القحط ويزيد بهاؤهما.
الصفة الخامسة : قوله تعالى : (وَكانَ لَهُ) أي : صاحب الجنتين (ثَمَرٌ) أي : أنواع من المال سوى الجنتين قال ابن عباس : من ذهب وفضة وغير ذلك من أثمر ماله إذا كثر وعن مجاهد الذهب والفضة خاصة ، أي : كان مع الجنتين أشياء من الأموال ليكون متمكنا من العمار بالأعوان والآلات وجميع ما يريد وقرأ أبو عمرو وثمر هنا وثمره الآتي بسكون الميم فيهما بعد ضم الثاء المثلثة ، وقرأ عاصم بفتح المثلثة والميم فيهما والباقون بضم المثلثة والميم فيهما ذكر أهل اللغة أنّ الضم أنواع المال من الذهب والفضة وغيرهما وبالفتح حمل الشجر قال قطرب : وكان أبو عمرو بن العلاء يقول : الثمر المال والولد وأنشد للحارث بن حلزة (١) :
|
ولقد رأيت معاشرا |
|
قد أثمروا مالا وولدا |
وقال النابغة (٢) :
|
مهلا فداء لك الأقوام كلهم |
|
وما أثمر من مال ومن ولد |
(فَقالَ) أي : هذا الكافر (لِصاحِبِهِ) أي : المسلم المجعول مثلا للفقراء المؤمنين (وَهُوَ) أي : صاحب الجنتين (يُحاوِرُهُ) أي : يراجعه الكلام من حار يحور إذا رجع افتخارا عليه وتقبيحا لحاله بالنسبة إليه والمسلم يحاوره بالوعظ وتقبيح الركون إلى الدنيا (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً) لما ترى من جناتي وثماري ، وقرأ نافع بمد الألف بعد النون والباقون بالقصر هذا في الوصل ، وأمّا في الوقف فبالألف للجميع ، وسكن قالون وأبو عمرو والكسائي هاء (وَهُوَ) وضمها الباقون ورقق ورش راء (يُحاوِرُهُ وَأَعَزُّ نَفَراً) أي : ناسا يقومون معي في المهمات وينفعون عند الضرورات لأنّ ذلك لازم لكثرة المال غالبا وترى أكثر الأغنياء من المسلمين وإن لم يطلقوا بمثل هذا ألسنتهم فإنّ ألسنة أحوالهم ناطقة به منادية عليه.
(وَدَخَلَ جَنَّتَهُ) بصاحبه يطوف به فيها ويفاخره بها وأفرد الجنة لإرادة الجنس ودلالة ما أفاده الكلام من أنهما لاتصالهما كالجنة الواحدة وإشارة إلى أنه لا جنة له غيرها لأنه لا حظّ له في الآخرة (وَهُوَ) أي : والحال أنه (ظالِمٌ لِنَفْسِهِ) لاعتماده على ماله والإعراض عن ربه ، ثم
__________________
(١) البيت من مجزوء الكامل ، وهو للحارث بن حلزة في ديوانه ص ٤٦ ، وجمهرة اللغة ص ١٠٠٠ ، ١١٢٠ ، والأغاني ١١ / ٤٤ ، وشعراء النصرانية ص ٤١٧ ، وبلا نسبة في لسان العرب (ولد) ، وتهذيب اللغة ١٤ / ١٧٧ ، وتاج العروس (ولد).
(٢) البيت من البسيط ، وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص ٢٦ ، والأشباه والنظائر ٧ / ٩٠ ، وخزانة الأدب ٦ / ١٨١ ، ولسان العرب (فدي) ، وبلا نسبة في شرح المفصل ٤ / ٧٣.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
