مكة من بني مخزوم أحدهما مؤمن وهو أبو سلمة وكان زوج أمّ سلمة قبل رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، والآخر كافر وهو الأسود بن عبد ياليل ، وهما ابنا عبد الأسد بن عبد ياليل.
وقيل : مثال لعيينة بن حصن وأصحابه مع سلمان وأصحابه شبههما برجلين من بني اسرائيل أخوين أحدهما مؤمن واسمه يهوذا في قول ابن عباس ، وقال مقاتل : تمليخا والآخر كافر واسمه فطروس وقال وهب : قطفر ، وهما اللذان وصفهما الله تعالى في سورة والصافات وكانت قصتهما على ما حكى عبد الله بن المبارك عن معمر عن عطاء الخراساني قال : كانا رجلين شركين لهما ثمانية آلاف دينار وقيل : كانا أخوين ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فاقتسماها فاشترى أحدهما أرضا بألف دينار فقال صاحبه : اللهمّ إنّ فلانا قد اشترى أرضا بألف دينار وإني مشتر منك أرضا في الجنة بألف دينار فتصدّق بها ، ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار فقال صاحبه : اللهمّ إنّ فلانا بنى دارا بألف دينار وإني اشتريت منك دارا في الجنة بألف دينار فتصدّق بها ، ثم تزوّج صاحبه امرأة فأنفق عليها ألف دينار فقال هذا : اللهمّ إني أخطب إليك من نساء الجنة بألف دينار فتصدّق بها ثم إنّ صاحبه اشترى خدما ومتاعا بألف دينار فقال هذا : اللهمّ إني أشتري خدما ومتاعا من الجنة بألف دينار فتصدّق بها ، ثم أصابته حاجة شديدة فقال : لو أتيت صاحبي لعل ينالني منه معروف فجلس على طريقه حتى مرّ به في حشمه فقام إليه فنظر إليه الآخر فعرفه فقال له : فلان؟ قال : نعم. قال : ما شأنك؟ قال : أصابتني حاجة بعدك فأتيت لتعينني بخير قال : فما فعل مالك وقد اقتسمنا مالا وأخذت شطره فقص عليه قصته فقال : وإنك لمن المصدّقين بهذا اذهب فلا أعطيك شيئا فطرده. وروي أنه لما أتاه أخذ بيده فجعل يطوف به ويريه أموال نفسه فنزل فيهما (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ) أي : اذكر لهم خبر رجلين ؛ (جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ ،) أي : بستانين يسر ما فيهما من الأشجار من يدخلهما (مِنْ أَعْنابٍ) لأنها من أشجار البلاد الباردة وتصبر على الحر وهي فاكهة وقوت بالعنب والزبيب والخل وغيرها ، ثم إنه تعالى وصف الجنتين بصفات الصفة الأولى قوله تعالى : (وَحَفَفْناهُما) أي : اطفناهما من جوانبهما (بِنَخْلٍ) لأنها من أشجار البلاد الحارّة ، وتصبر على الحرور بما منعت عن الأعناب بعض أسباب العاهات وثمرها فاكهة بالبسر والرطب وقوت بالتمر والخلّ ، فكان النخل كالأكليل من وراء العنب.
تنبيه : الحفاف الجانب وجمعه أحفة يقال : أحف به القوم ، أي : أطافوا بجوانبه. الصفة الثانية قوله تعالى : (وَجَعَلْنا بَيْنَهُما) أي : أرضي الجنتين (زَرْعاً) لبعد شمول الآفة للكل لأنّ زمان الزرع ومكانه غير زمان ثمار الشجر ومكانه وذلك هو العمدة في القوت فكانت الجنتان أرضا جامعة لخير الفاكهة وأفضل الأقوات وعمارتهما متواصلة متشابكة لم يتوسطها ما يقطعهما ويفصل بينهما مع سعة الأطراف وتباعد الأكتاف وحسن الهيئات والأوصاف.
الصفة الثالثة : قوله تعالى : (كِلْتَا ،) أي : كل واحدة من (الْجَنَّتَيْنِ) المذكورتين (آتَتْ أُكُلَها) أي : ما يطلب منها ويؤكل من ثمر وحب كاملا غير منسوب شيء منهما إلى نقص ولا رداءة وهو بمعنى (وَلَمْ تَظْلِمْ) أي : ولم تنقص (مِنْهُ شَيْئاً) يعهد في سائر البساتين فإن الثمار تتم في عام وتنقص في عام غالبا والظلم النقصان تقول : الرجل ظلمني حقي أي : نقصني.
تنبيه : كلا اسم مفرد معرفة يؤكد به مذكران معرفتان وكلتا اسم مفرد ومعرفة يؤكد به مؤنثان معرفتان وإنما إذا أضيفا إلى المظهر كانا بالألف في الأحوال الثلاثة كقولك : جاءني كلا أخويك
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
