استقلال العبد بفعله كما تقول المعتزلة ، فعن ابن عباس في معنى الآية من شاء الله له الإيمان آمن ومن شاء له الكفر كفر ونقل عن عليّ رضي الله عنه أنه قال : هذه الصيغة تهديد ووعيد ، أي : فهي كقوله تعالى : (اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ) [فصلت ، ٤٠] فإن الله تعالى لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا يستضرّ بكفر الكافرين بل نفع الإيمان يعود على المؤمن وضرر الكفر يعود على الكافر كما قال تعالى : (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها) [الإسراء ، ٧].
ولما هدد السامعين بما حاصله ليختار كل امرئ لنفسه ما يجده غدا عند الله أتبعه بذلك الوعيد والأفعال الباطلة ، وبذكر الوعد على الإيمان والأعمال الصالحة ، أمّا الوعيد فقوله تعالى : (إِنَّا أَعْتَدْنا) أي : هيأنا بما لنا من العظمة والقدرة (لِلظَّالِمِينَ) أي : لمن أنف عن قبول الحق لأجل أنّ الذين قبلوه فقراء ومساكين وكذا كل من لم يؤمن (ناراً) وهي الجحيم ثم وصف الله تعالى تلك النار بصفتين ؛ الأولى قوله تعالى : (أَحاطَ بِهِمْ) كلهم (سُرادِقُها) أي : فسطاطها شبه به ما يحيط بهم من النار وقيل : هو الحجرة التي تكون حول الفسطاط وقيل : حائط من نار والمراد أنه لا مخلص لهم منها ولا فرجة يتفرّجون بالنظر إلى ما وراءها من غير النار بل هي محيطة من كل الجوانب ، وقيل : هو دخان يغشاهم قبل دخولهم النار يحيط بهم كالسرادق حول الفسطاط. الصفة الثانية قوله تعالى : (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا) أي : يطلبوا الغوث (يُغاثُوا بِماءٍ) ووصف هذا الماء بصفتين ؛ الأولى قوله تعالى : (كَالْمُهْلِ) وهو كما في حديث مرفوع دردي الزيت ، وعن ابن مسعود أنه دخل بيت المال وأخرج نقاعة كانت فيه وأوقد عليها النار حتى تلألأت ثم قال : هذا هو المهل. وقال أبو عبيدة والأخفش : كل شيء أذبته من نحاس أو ذهب أو فضة فهو المهل. وقيل : إنه الصديد والقيح وقيل : إنه ضرب من القطران ثم يحتمل أن تكون هذه الاستغاثة لأنهم طلبوا ماء للشرب فيعطون هذا المهل قال تعالى : (تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ) [الغاشية : ٤ ، ٥] ويحتمل أن يستغيثوا من حرّ جهنم فيطلبوا ما يصبونه على أنفسهم للتبريد فيعطون هذا الماء قال تعالى حكاية عنهم : (أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ) [الأعراف ، ٥٠]. وقال تعالى في آية أخرى : (سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ) [إبراهيم ، ٥٠]. فإذا استغاثوا من حرّ جهنم صب عليهم القطران الذي يعمّ كل أبدانهم كالقميص. والصفة الثانية للماء : قوله تعالى : (يَشْوِي الْوُجُوهَ) أي : إذا قرب إلى الفم ليشرب فكيف بالفم والجوف ثم وصل تعالى بذلك ذمّه فقال تعالى : (بِئْسَ الشَّرابُ) أي : ذلك الماء الذي هو كالمهل لأنّ المقصود من شرب الشراب تسكين الحرارة وهذا يبلغ في إحراق الإنسان مبلغا عظيما ثم عطف عليه ذمّ النار المعدّة لهم بقوله تعالى : (وَساءَتْ) أي : النار وقوله تعالى : (مُرْتَفَقاً) تمييز منقول من الفاعل ، أي : قبح مرتفقها وهو مقابل لقوله تعالى الآتي في الجنة : (وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً) وإلا فأي ارتفاق في النار.
ولما ذكر تعالى وعيد المبطلين أردفه بوعد المحقين فقال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) ولما كان الإيمان هو الإذعان للأوامر عطف عليه ما يحقق ذلك بقوله تعالى : (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) ثم عظم جزاءهم بقوله تعالى : (إِنَّا لا نُضِيعُ) أي : بوجه من الوجوه (أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً) وهذه الجملة خبر (إِنَّ الَّذِينَ) وفيها إقامة الظاهر مقام المضمر والمعنى أجرهم ، أي : نثيبهم بما تضمنه.
(أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ) أي : إقامة فكأنه قيل : فما لهم فيها فقيل : (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ) أي : من تحت منازلهم (الْأَنْهارُ) وذلك لأنّ أفضل المساكن ما كان تجري فيه الأنهار أو الماء
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
