أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (٧٨))
(إِنَّ عِبادِي) أي : الذين أهلتهم للإضافة إليّ فقاموا بحق عبوديتي بالتقوى والإحسان (لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ) أي : فلا تقدر أن تغويهم وتحملهم على ذنب لا يغفر فإني وفقتهم للتوكل عليّ فكفيتهم أمرك (وَكَفى بِرَبِّكَ) أي : الموجد لك (وَكِيلاً) أي : حافظا لهم منك.
ولما ذكر تعالى أنه الوكيل الذي لا كافي غيره أتبعه بعض أفعاله الدالة على ذلك بقوله تعالى : (رَبُّكُمُ) أي : المتصرف فيكم هو (الَّذِي يُزْجِي) أي : يجري (لَكُمُ الْفُلْكَ) ومنها التي حملكم فيها مع أبيكم نوح عليه الصلاة والسّلام (فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا) أي : لتطلبوا (مِنْ فَضْلِهِ) الربح وأنواع الأمتعة التي لا تكون عندكم ثم إنه تعالى علل ذلك بقوله عزوجل : (إِنَّهُ) أي : فعل سبحانه وتعالى ذلك لأنّه (كانَ) أي : أزلا وأبدا (بِكُمْ رَحِيماً) حيث هيأ لكم ما تحتاجون إليه وسهل عليكم ما يعسر من أسبابه.
تنبيه : الخطاب في قوله ربكم وفي قوله إنه كان بكم عام في حق الكل والمراد من الرحمة منافع الدنيا ومصالحها وأمّا قوله تعالى : (وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ) أي : الشدة (فِي الْبَحْرِ) خطاب للكفار بدليل قوله تعالى (ضَلَ) أي : غاب عن ذكركم وخواطركم (مَنْ تَدْعُونَ) أي : تعبدون من الآلهة (إِلَّا إِيَّاهُ) وحده فأخلصتم له الدعاء علما منكم أنه لا ينجيكم سواه (فَلَمَّا نَجَّاكُمْ) من الغرق وأوصلكم بالتدريج (إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ) عن الإخلاص له ورجعتم إلى الإشراك (وَكانَ الْإِنْسانُ) أي : هذا النوع (كَفُوراً) أي : جحودا للنعم بسبب أنه عند الشدّة يتمسك بفضله ورحمته وعند الرخاء والراحة يعرض عنه ويتمسك بغيره ، وقوله تعالى : (أَفَأَمِنْتُمْ) الهمزة فيه للإنكار والفاء للعطف على محذوف تقديره أنجوتم من البحر فأمنتم بعد خروجكم منه (أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ) فنغيبكم في ، أي : جانب كان منه لأنّ قدرتنا على التغيبين في الماء والتراب على السواء فعلى العاقل أن يستوي خوفه من الله تعالى في جميع الجوانب (أَوْ) أمنتم أن (يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ) من جهة الفوق شيئا من أمرنا (حاصِباً) أي : نمطر عليكم حجارة من السماء كما أمطرناها على قوم لوط قال الله تعالى : (إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً) [القمر ، ٣٤] وقيل الحاصب الريح (ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ) أيها الناس (وَكِيلاً) ينجيكم من ذلك ولا من غيره كما لم تجدوا في البحر وكيلا غيره.
(أَمْ أَمِنْتُمْ) أي : جاوزت بكم الغباوة حدّها فلم تجوّزوا ذلك (أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ) أي : البحر الذي يضطرّكم إلى ذلك فنقسركم عليه وإن كرهتم (تارَةً أُخْرى) بأسباب تضطرّكم إلى أن ترجعوا فتركبوه (فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ) أي : ريحا شديدة لا تمرّ بشيء إلا قصفته فتكسر فلككم (فَيُغْرِقَكُمْ) في البحر الذي أعدناكم فيه بقدرتنا (بِما كَفَرْتُمْ) أي : بسبب إشراككم وكفرانكم نعمة الانجاء (ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً) أي : مطالبا يطالبنا بما فعلنا بكم.
تنبيه : تارة بمعنى مرّة وكرّة فهي مصدر وتجمع على تير وتارات. قال الشاعر (١) :
|
وإنسان عيني يحسر الماء تارة |
|
فيبدو وتارات يجم فيغرق |
__________________
(١) البيت من الطويل ، وهو لذي الرمة في ديوانه ص ٤٦٠ ، وخزانة الأدب ٢ / ١٩٢ ، والدرر ٢ / ١٧ ، والمقاصد النحوية ١ / ٥٧٨ ، و ٤ / ٤٤٩ ، ولكثير في المحتسب ١ / ١٥٠ ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣ / ١٠٣ ، ٧ / ٢٥٧ ، وأوضح المسالك ٣ / ٣٦٢ ، وتذكرة النحاة ص ٦٦٨ ، وشرح الأشموني ١ / ٩٢ ، ومجالس ثعلب ص ٦١٢ ، ومغني اللبيب ٢ / ٥٠١ ، والمقرب ١ / ٨٣ ، وهمع الهوامع ١ / ٩٨.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
