التراب وهو قول مجاهد ويؤيده أنه قد يكرر في القرآن ترابا وعظاما. ويقال للتبن الرفات لأنه دقاق الزرع. (أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) حال كوننا مخلوقين (خَلْقاً جَدِيداً.)
تنبيه : تقرير شبهة هؤلاء الضلال هي أنّ الإنسان جفت أعضاؤه وتناثرت وتفرقت في جوانب العالم واختلطت تلك الأجزاء بسائر أجزاء العالم فالأجزاء المائية مختلطة بمياه العالم والأجزاء الترابية مختلطة بالتراب ، والأجزاء الهوائية مختلطة بالهواء فكيف يعقل اجتماعها بأعيانها مرّة أخرى وكيف يعقل عود الحياة إليها بأعيانها مرّة أخرى هذا تقرير شبهتهم؟ أجيب : عنها بأنها لا تتم إلا بالقدح في كمال علم الله تعالى وفي كمال قدرته فإنه تعالى قادر على كل الممكنات فهو قادر على إعادة التأليف والتركيب والحياة والعقل إلى تلك الأجزاء بأعيانها فمن سلم كمال علم الله تعالى وكمال قدرته زالت عنه هذه الشبهة بالكلية.
ولما كان كأنه قيل فما ذا يقال لهم في الجواب؟ فقال :
(قُلْ) لهم يا أشرف الخلق لا تكونوا رفاتا بل (كُونُوا) أصلب من التراب (حِجارَةً) أي : هي في غاية اليبس (أَوْ حَدِيداً) أي : زائدا على يبس الحجارة لشدّة اتصال الأجزاء.
تنبيه : ليس المراد به أمر إلزام بل المراد لو كنتم كذلك لما أعجزتم الله تعالى عن الإعادة وذلك كقول القائل أتطمع فيّ وأنا فلان فيقول كن من شئت كن ابن الخليفة فسأطلب منك حقي.
(أَوْ خَلْقاً) غير ذلك (مِمَّا يَكْبُرُ) أي : يعظم عظمة كبيرة (فِي صُدُورِكُمْ) أي : مما يكبر عندكم عن قبول الحياة لكونه أبعد شيء منها فإنّ الله تعالى قادر على إعادة الحياة إليها. وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأكثر المفسرين : أنه الموت فإنه ليس في نفس ابن آدم شيء أكبر من الموت ، أي : لو كنتم الموت بعينه لأميتنكم ولأبعثنكم ، وقيل السموات والأرض والجبال لأنها من أعظم المخلوقات (فَسَيَقُولُونَ) تماديا في الاستهزاء (مَنْ يُعِيدُنا) إذا كنا كذلك (قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ) أي : ابتدأ خلقكم (أَوَّلَ مَرَّةٍ) ولم تكونوا شيئا يعيدكم بالقدرة التي ابتدأكم بها فكما لم تعجز تلك عن البداءة فهي لا تعجز عن الإعادة (فَسَيُنْغِضُونَ) أي : يحركون (إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ) تعجبا واستهزاء كأنهم في شدة جهلهم على غاية البصيرة من العلم بما يقولون والنغض والإنغاض تحريك بارتفاع وانخفاض (وَيَقُولُونَ) استهزاء (مَتى هُوَ) أي : البعث والقيامة. قال الرازي : واعلم أنّ هذا السؤال فاسد لأنهم حكموا بامتناع الحشر والنشر بناء على الشبهة التي تقدمت ثم إنّ الله تعالى بيّن بالبرهان الباهر كونه ممكنا في نفسه فقولهم متى هو كلام لا تعلق له بالمبحث فإنه لما ثبت بالدليل العقلي كونه ممكن الوجود في نفسه وجب الاعتراف بإمكانه فأما أنه متى يوجد فذلك لا يمكن إثباته من طريق العقل بل إنما يمكن إثباته بالدليل السمعي فإن أخبر الله تعالى عن ذلك الوقت المعين عرف وإلا فلا سبيل إلى معرفته لأنه تعالى بين في القرآن انه لا يطلع أحدا من الخلق على وقته المعين فقال تعالى : (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) [لقمان ، ٣٤] وقال : (إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي) [الأعراف ، ١٨٧]. وقال تعالى : (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها) [طه ، ١٥] فلا جرم. قال تعالى : (قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً) قال المفسرون : عسى من الله واجب ومعناه أنه قريب إذ كل آت قريب وأمال متى وعسى حمزة والكسائي إمالة محضة وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح.
وقوله تعالى : (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ) بدل من قريبا والمعنى عسى أن يكون البعث يوم يدعوكم ، أي : بالنداء الذي يسمعكم وهو النفخة الأخيرة كما قال تعالى : (يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ) [ق ،
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
