الاستخفاف والإهانة فكونه مخذولا عبارة عن ترك إعانته وتفويضه إلى نفسه وكونه مدحورا عبارة عن إهانته فيصير أوّل الأمر مخذولا وآخره مدحورا.
وقوله تعالى : (أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ) خطاب للذين قالوا الملائكة بنات الله والهمزة للإنكار ، أي : أفخصكم ربكم على وجه الخلوص والصفاء بأفضل الأولاد وهم البنون ، ولم يجعل فيهم نصيبا لنفسه (وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً) أي : بنات لنفسه وهذا خلاف ما عليه معقولكم وعادتكم ، فإنّ العبيد لا يستأثرون بأجود الأشياء وأصفاها من الشوائب ويكون أردؤها وأدونها للسادات (إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً) بإضافة الأولاد إليه لأن إثبات الولد يقتضي كونه تعالى مركبا من الأبعاض والأجزاء وذلك يقدح في كونه قديما واجب الوجود لذاته ، وأيضا فبتقدير ثبوت الولد فقد جعلوا أشرف القسمين لأنفسهم وأخس القسمين لله تعالى وهذا جهل عظيم ، وأيضا جعلوا الملائكة الذين هم من أشرف خلق الله الذين منهم من يقدر على حمل الأرض وقلب أسفلها على أعلاها إناثا في غاية الرخاوة.
ولما كان في هذا من البيان ما لا يخفى على إنسان ولم يرجعوا أشار إلى أنّ لهم مثل هذا الإعراض عن أمثال هذا البيان فقال تعالى : (وَلَقَدْ صَرَّفْنا) أي : بينا بيانا عظيما بأنواع طرق البيان من العبر والحكم والأمثال والأحكام والحجج والإعلام في قوالب الوعد والوعيد والأمر والنهي والمحكم والمتشابه إلى غير ذلك (فِي هذَا الْقُرْآنِ) أي : في مواضع منه من الأمثال كما قال تعالى : (وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) [الروم ، ٥٨] قيل لفظة في زائدة كما في قوله تعالى : (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) [الأحقاف ، ١٥]. ورد بأنّ في لا تزاد وما ذكر متأوّل كما يأتي إن شاء الله تعالى في الأحقاف والتصريف لغة صرف الشيء من جهة إلى أخرى ثم صار كناية عن التبيين قاله أبو حيان. وقوله تعالى : (لِيَذَّكَّرُوا) متعلق بصرفنا وقرأ حمزة والكسائي بسكون الذال ورفع الكاف من غير تشديد من الذكر الذي هو بمعنى التذكر والباقون بفتح الذال والكاف مع تشديدهما. (وَما يَزِيدُهُمْ) أي : التصريف (إِلَّا نُفُوراً) أي : تباعدا عن الحق وقلة طمأنينة إليه ، وعن سفيان كان إذا قرأها قال : زادني ذلك لك خضوعا ما زاد أعداءك نفورا.
ثم قال تعالى لنبيه محمد صلىاللهعليهوسلم (قُلْ) أي : لهؤلاء المشركين ولا تيأس من رجوع بعضهم. (لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ) من هذه الأقوال التي لو قالها أعظمكم في حق أدناكم وهو يريد بها حقيقتها لصار ضحكة للعباد (إِذاً لَابْتَغَوْا) أي : طلبوا طلبا عظيما (إِلى ذِي الْعَرْشِ) أي : صاحب السرير الأعظم المحيط الذي من ناله كان منفردا بالتدبير (سَبِيلاً) أي : طريقا سالكا يتوصلون به إليه ليقهروه ويزيلوا ملكه كما ترون فعل ملوك الدنيا بعضهم مع بعض أو ليتخذوا عنده يدا يقربهم إليه ، وقرأ ابن كثير وحفص بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب وأدغم أبو عمرو الشين من العرش في السين بخلاف عنه.
ثم نزه سبحانه وتعالى نفسه فقال عز من قائل : (سُبْحانَهُ) أي : تنزه التنزه الأعظم عن كل شائبة نقص (وَتَعالى) أي : علا أعلى العلوّ بصفات الكمال (عَمَّا يَقُولُونَ) أي : من هذه النقائص التي لا يرضاها لنفسه أحد من عقلاء خلقه (عُلُوًّا) أي : تعاليا (كَبِيراً) أي : متباعدا غاية البعد عما يقولون فإنه تعالى في أعلى مراتب الوجود وهو كونه واجب الوجوب والبقاء لذاته.
تنبيه : جعل العلوّ مصدر التعالي ومصدره تعاليا كما قدّرته فهو المراد ونظيره قوله تعالى :
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
