وفائدة ذكره الإشارة بتنكيره إلى تقليل مدّته فكان هذا الأمر الجليل في جزء يسير من الليل وإلى أنه عليه الصلاة والسّلام لم يحتج في الإسراء والعروج إلى سدرة المنتهى وسماع الكلام من العليّ الأعلى إلى رياضة بصيام ولا غيره بل كان مهيأ لذلك متأهلا له فأقامه تعالى من الفرش إلى العرش (مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) أي : بعينه وهو الذي يدل عليه ظاهر لفظ القرآن. وروي أنه صلىاللهعليهوسلم قال : «بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق» (١) وقيل كان نائما في الحطيم ، وقيل في بيت أمّ هانىء بنت أبي طالب قال البقاعي : وهو قول الجمهور ، والمراد بالمسجد حينئذ الحرم لأنه فناء المسجد. (إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) أي : بيت المقدس الذي هو بعيد المسافة حينئذ وأبعد المسجدين الأعظمين مطلقا من مكة المشرّفة بينهما أربعون ليلة فصلى بالأنبياء كلهم إبراهيم وموسى ومن سواهما على جميعهم أفضل الصلاة والسّلام ورأى من آياتنا الكبرى ما قدرنا له كما سيأتي في حديث المعراج ، ورجع بين أظهركم إلى المسجد الأقرب منكم في ذلك الجزء اليسير من الليل ، وأنتم تضربون أكباد الإبل في هذه المسافة شهرا ذهابا وشهرا إيابا.
ثم وصفه تعالى بما يقتضي تعظيمه ، وأنه أهل للقصد بقوله تعالى : (الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ) أي : بما لنا من العظمة بالمياه والأشجار. وقال مجاهد : سماه مباركا لأنه مقرّ الأنبياء ومهبط الملائكة والوحي ومنه يحشر الناس يوم القيامة وموطن العبادات ومعدن الفواكه والأرزاق والبركات ، وبارك تعالى حوله لأجله فما ظنك به نفسه فهو أبلغ من باركنا فيه ، ثم منه إلى السموات العلا إلى سدرة المنتهى إلى ما لم ينله بشر غيره صلىاللهعليهوسلم. قال البقاعي : ولعل حذف ذكر المعراج من القرآن هنا لقصور أفهامهم عن إدراك أدلته ، لو أنكروه بخلاف الإسراء فإنه أقام دليله عليهم بما شاهدوه من الأمارات التي وصفها لهم وهم قاطعون بأنه صلىاللهعليهوسلم لم يرها قبل ذلك فلما بان صدقه بما ذكر من الأمارات أخبر بعد ذلك من أراد الله تعالى بالمعراج.
ثم ذكر سبحانه وتعالى الغرض من الإسراء بقوله تعالى : (لِنُرِيَهُ) بعينه وقلبه (مِنْ آياتِنا) أي : عجائب قدرتنا السماوية والأرضية كما أرينا أباه الخليل عليهالسلام ملكوت السموات والأرض. (إِنَّهُ) أي : الله (هُوَ السَّمِيعُ) لجميع الأقوال (الْبَصِيرُ) أي : العالم بأحوال عباده فيكرم ويقرّب من شاء منهم وقيل : إنه أي : هذا العبد الذي اختصصناه بالإسراء هو أي : خاصة السميع أي : أذنا وقلبا بالإجابة لنا والإذعان لأوامرنا البصير بصرا وبصيرة بدليل ما أخبر به من الآيات وصدقه من الدلالات حتى نعت ما سألوه عنه من بيت المقدس ومن أمر عيرهم وغيرهما مما هو مشهور في قصة الإسراء. واختلف هل أسري بروحه أو بجسده صلىاللهعليهوسلم. فعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت تقول ما فقدت جسد النبيّ صلىاللهعليهوسلم ولكن أسري بروحه ، والأكثرون على أنه أسري بجسده في اليقظة وتواترت الأخبار الصحيحة على ذلك منها قوله صلىاللهعليهوسلم : «أوتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه فركبته فسار بي حتى أتيت بيت
__________________
(١) انظر حديث الإسراء عند البخاري في بدء الخلق باب ٦ ، ومسلم في الإيمان حديث ٢٥٩ ، ٢٦٤ ، والترمذي في تفسير سورة ١٧ ، باب ٢ ، ١٧ ، وأحمد في المسند ٣ / ١٤٨ ، ٤ / ٢٠٨ ، ٥ / ٣٨٧ ، ٣٩٢ ، ٣٩٤.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
