تعالى : (فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ) [البقرة ، ٢٣٠] وهذا قد طلقها. وأجيب بأنّ الآية مخصوصة بغير ذلك جمعا بين الأدلة. (وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً) أي : فتحه ووسعه لقبول الكفر واختاره ورضي به (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ) أي : غضب لم تبين جهة عظمه لكونه (مِنَ اللهِ) أي : الملك الأعظم (وَلَهُمْ) أي : بظواهرهم وبواطنهم (عَذابٌ عَظِيمٌ) في الآخرة لارتدادهم على أعقابهم.
(ذلِكَ) أي : الوعيد العظيم (بِأَنَّهُمُ) أي : بسبب أنهم (اسْتَحَبُّوا) أي : أحبوا حبا عظيما (الْحَياةَ الدُّنْيا) الكائنة الحاضرة الفانية فآثروها (عَلَى الْآخِرَةِ) الباقية الفاخرة لأنهم رأوا ما فيه المؤمنون من الضيق والكافرون من السعة (وَأَنَّ اللهَ) أي : الذي له الغنى المطلق (لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) أي : لا يرشدهم إلى الإيمان ولا يوفقهم للعمل.
(أُولئِكَ) أي : البعداء البغضاء (الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ) أي : الملك الذي لا أمر لأحد معه (عَلى قُلُوبِهِمْ) أي : ختم عليها واستوثق. ولما كان التفاوت في السمع نادرا وحده بقوله تعالى : (وَسَمْعِهِمْ) أو بمعنى أسماعهم ليناسب قوله تعالى : (وَأَبْصارِهِمْ) فصاروا بعدم انتفاعهم بهذه المشاعر كأنهم لا يفهمون ولا يسمعون ولا يبصرون (وَأُولئِكَ) أي : الأباعد من كل خير (هُمُ الْغافِلُونَ) عما يراد بهم من العذاب في الآخرة.
(لا جَرَمَ) أي : لا شك (أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ) أي : أكمل الناس خسارة لأنّ الله تعالى وصفهم بست صفات الأولى : أنهم استوجبوا غضب الله تعالى. الثانية : أنهم استوجبوا العذاب الأليم. الثالثة : أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة. الرابعة : أنّ الله تعالى حرمهم من الهداية. الخامسة : أنه تعالى طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم. السادسة : أنه جعلهم من الغافلين عن العذاب الشديد يوم القيامة إذ كل واحدة من هذه الصفات من أعظم الأحوال المانعة من الفوز بالخيرات والسعادات ومعلوم أنه تعالى إنما أدخل الإنسان في الدنيا ليكون كالتاجر الذي يشتري بطاعته سعادات الآخرة فإذا حصلت هذه الموانع العظيمة عظم خسرانه ، فلهذا السبب حكم تعالى عليهم بالخسران.
ولما ذكر تعالى حال من كفر بالله من بعد إيمانه ، وحال من أكره على الكفر ذكر بعده حال من هاجر من بعد ما فتن بقوله تعالى : (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ) أي : المحسن إليك (لِلَّذِينَ هاجَرُوا) إلى المدينة الشريفة بالولاية والنصر وقوله تعالى : (مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا) قرأ ابن عامر بفتح الفاء والتاء على استناد الفعل إلى الفاعل والباقون بضم الفاء وكسر التاء على فعل ما لم يسمّ فاعله وجه القراءة الأولى أنه عاد الضمير على المؤمنين ، فالمعنى : فتنوا أنفسهم بما أعطوا المشركين من القول ظاهرا ، وأنهم لما صبروا على عذاب المشركين فكأنهم فتنوا أنفسهم وإن عاد على المشركين فهو ظاهر ، أي : فتنوا المؤمنين لأنّ أولئك المفتونين هم المستضعفون الذين حملهم أقوياء المشركين على الردّة والرجوع عن الإيمان فبيّن تعالى أنهم هاجروا (ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا) على الطاعة (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها) أي : الفتنة (لَغَفُورٌ) أي : بليغ الإكرام (رَحِيمٌ) فهو يغفر لهم ويرحمهم.
تنبيه : حذف خبر إنّ الأولى لدلالة خبر الثانية عليه أو مقدّر بما مرّ.
(يَوْمَ) أي : اذكر يوم (تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ) أي : وإن عظم جرمها (تُجادِلُ ،) أي : تحاجج (عَنْ نَفْسِها) أي : لا يهمها غيرها وهو يوم القيامة. فإن قيل : ما معنى النفس المضافة إلى النفس؟ أجيب : بأنه يقال لعين الشيء وذاته نفسه وفي نقيضه غيره ، والنفس الجملة كما هي فالنفس الأولى
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
