(١١٤) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤))
(مَنْ) أي : أيّ مخلوق وقع له أنه (كَفَرَ بِاللهِ) أي : الذي له صفات الكمال بأن قال أو عمل ما يدل على الكفر (مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ) بالله ورسوله صلىاللهعليهوسلم (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ) أي : على التلفظ بالكفر فتلفظ به (وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ) فلا شيء عليه لأنّ محل الإيمان هو القلب. روي أنّ قريشا أكرهوا عمارا وأباه ياسرا وأمّه سمية على الارتداد فربطوا سمية بين بعيرين وقالوا : إنك أسلمت من أجل الرجال فقتلت وقتل ياسر وهما أوّل قتيل في الإسلام ، وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرها وهو كاره بقلبه فأخبر النبيّ صلىاللهعليهوسلم بأنه كفر فقال صلىاللهعليهوسلم : «كلا إنّ عمارا امتلأ إيمانا من قرنه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه ، فجاء النبيّ صلىاللهعليهوسلم وهو يبكي فجعل رسول الله صلىاللهعليهوسلم يمسح عينيه ويقول : ما لك إن عادوا لك فقل لهم مثل ما قلت» (١).
تنبيه : في الآية دليل على إباحة التلفظ بالكفر وإن كان الأفضل أن يتجنب عنه إعزازا للدين كما فعله أبواه. ولما روي أن مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما : ما تقول في محمد؟ فقال : رسول الله. قال : فما تقول فيّ؟ قال : أنت أيضا ، فخلاه. وقال للآخر : ما تقول في محمد؟ فقال : رسول الله. قال : فما تقول فيّ؟ قال : أنا أصمّ. فأعاد عليه ثلاثا فأعاد جوابه فقتله ، فبلغ رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : «أما الأول فقد أخذ برخصة الله ، وأمّا الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له» (٢). واختلف الأئمة في وقوع الطلاق بالإكراه فقال الشافعي وأحمد رحمهماالله تعالى : لا يقع طلاق المكره. وقال أبو حنيفة رحمهالله تعالى : يقع. واستدل الشافعي بقوله تعالى : (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) [البقرة ، ٢٥٦] ولا يمكن أن يكون المراد نفي ذاته لأنّ ذاته موجودة فوجب حمله على نفي آثاره ، أي : لا أثر له ولا عبرة به. وقال عليه الصلاة والسّلام : «رفع عن أمّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٣). وقال أيضا : «لا طلاق في إغلاق» (٤) ، أي : إكراه. وتمسك أبو حنيفة بقوله
__________________
(١) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ١ / ١٣٩ ، وابن حجر في فتح الباري ٧ / ٩٢ ، والمتقي الهندي في كنز العمال ٣٣٥٤٠ ، ٣٣٥٤١.
(٢) أخرجه ابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ٩٦ ، وابن أبي شيبة في المصنف ٧ / ٦٤٢.
(٣) أخرجه ابن ماجه في الطلاق حديث ٢٠٤٣.
(٤) أخرجه ابن ماجه في الطلاق حديث ٢٠٤٦.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
