السمع لأنّ التفاوت فيهما أكثر من التفاوت فيه بما لا يعلمه إلا الله ، والأفئدة هي القلوب التي هيأها الله تعالى للفهم وإصلاح البدن بما أودعها من الحرارة اللطيفة للمعاني الدقيقة (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) لتصيروا بمعارف القلوب التي وهبكموها إذا سمعتم المواعظ وأبصرتم الآيات في حال يرجى فيها شكركم لما أفاض عليكم من لطائف صنعه بأن تعرفوا ما له من العلم والقدرة فإنه إنما أنعم عليكم بهذه الحواس لتستعملوها في شكر من أنعم بها عليكم.
فإن قيل : عطف وجعل لكم السمع على أخرجكم يقتضي أن يكون جعل السمع والبصر متأخرين عن الإخراج من البطون مع أنّ الأمر ليس كذلك؟ أجيب : بأنّ حرف الواو لا يوجب الترتيب وأيضا إذا حملنا السمع على الاستماع والأبصار على الرؤية زال السؤال.
ثم إنه تعالى ذكر دليلا آخر على كمال قدررته وحكمته بقوله تعالى : (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ) أي : مذللات للطيران (فِي جَوِّ السَّماءِ) أي : في الهواء بين الخافقين مما لا يقدرون عليه بوجه من الوجوه مع مشاركتكم لها في السمع والبصر وزيادتكم عليها بالعقول فعلم قطعا أنه تعالى خلق الطير خلقة معها يمكنه الطيران فيها وإلا لما أمكن ذلك لأنه تعالى أعطى الطير جناحا يبسطه مرة ويكسره مرّة أخرى مثل ما يعمل السابح في الماء ، وخلق الجوّ خلقة لطيفة رقيقة يسهل خرقه والنفاذ فيه ، ولو لا ذلك لما كان الطيران ممكنا ومع ذلك (ما يُمْسِكُهُنَ) في الجوّ عن الوقوع (إِلَّا اللهُ) أي : الملك الأعظم فإنّ جسد الطير جسم ثقيل ، والجسم الثقيل يمتنع بقاؤه في الجوّ معلقا من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه فوجب أن يكون الممسك له في ذلك الجوّ هو الله تعالى. وقرأ ابن عامر وحمزة بالتاء على أنه خطاب العامّة والباقون بالياء على الغيبة (إِنَّ فِي ذلِكَ) المذكور (لَآياتٍ) أي : دلالات (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) وخصهم بذلك لأنهم هم المنتفعون بها وإن كانت هذه الآيات آيات لكل العقلاء.
ثم ذكر تعالى نوعا آخر من دلائل التوحيد بقوله تعالى : (وَاللهُ) أي : الذي له الحكمة البالغة. (جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ) وأصل البيت المأوى ليلا ثم اتسع فيه (سَكَناً) أي : موضعا لتسكنوا فيه.
تنبيه : البيوت التي يسكن الإنسان فيها على قسمين : أحدهما : البيوت المتخذة من الخشب والطين والآلات التي بها يمكن تسقيف البيوت ، وإليها الإشارة بقوله تعالى : (وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً) وهذا القسم من البيوت لا يمكن نقلها ، بل الإنسان ينتقل إليها. والقسم الثاني : القباب والخيام والفساطيط ، وإليها الإشارة بقوله تعالى : (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً) المتخذة من الأدم ويجوز أن يتناول المتخذة من الوبر والصوف والشعر فإنها من حيث إنها ثابتة على جلودها يصدق عليها أنها من جلودها (تَسْتَخِفُّونَها) أي : تتخذونها خفيفة يخف عليكم حملها ونقلها. (يَوْمَ ظَعْنِكُمْ) أي : وقت ترحالكم وعبر باليوم لأنّ الترحال في النهار (وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ) أي : وقت الحضر أو وقت النزول وهذا القسم من البيوت يمكن نقلها وتحويلها من مكان إلى مكان. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح العين والباقون بالسكون ، وأضاف قوله تعالى : (وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها) إلى ضمير الأنعام لأنها من جملتها. قال المفسرون وأهل اللغة : الأصواف للضأن والأوبار للإبل والأشعار للمعز. (أَثاثاً) أي : ما يلبس ويفرش (وَمَتاعاً) أي : ما يتجر به ، وقيل : الأثاث ما يكتسي به المرء ويستعمله في الغطاء والوطاء ، والمتاع ما يفرش في المنازل ويتزين به واختلف في معنى قوله تعالى : (إِلى حِينٍ) فقيل : إلى حين تبلى ، وقيل : إلى
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
