ومولاه وهو عثمان يأمر بالعدل وكان على الدين القويم والصراط المستقيم ، وقيل : المراد كل عبد موصوف بهذه الصفات المذمومة وكل حر موصوف بتلك الصفات الحميدة وهذا القول كما قال الرازي أولى من الأول لأن وصفه تعالى إياهما بكونهما رجلين يمنع من حمل ذلك على الوثن وكذلك بالبكم وبالكلّ وبالتوجه في جهات المنافع وكذلك وصف الآخر بأنه على صراط مستقيم يمنع من حمله على الله تعالى وأيضا المقصود تشبيه صورة بصورة في أمر من الأمور وذلك التشبيه لا يتم إلا عند كون إحدى الصورتين مغايرة للأخرى ، وأمّا القول الثاني فضعيف أيضا لأنّ المقصود إبانة التفرقة بين رجلين موصوفين بالصفات المذكورة وذلك غير مختص بشخص معين بل إذا حصل التفاوت في الصفات المذكورة فإنه يحصل المقصود.
ثم وصف سبحانه وتعالى نفسه بكمال العلم بقوله تعالى : (وَلِلَّهِ) أي : لا لغيره (غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) وهو ما غاب فيهما عن العباد بأن لم يكن محسوسا ولم يدل عليه محسوس ، وقيل : الغيب هنا هو قيام الساعة فإن علمه غائب عن أهل السموات والأرض ثم وصف سبحانه وتعالى كمال قدرته بقوله تعالى : (وَما أَمْرُ السَّاعَةِ) وهو الوقت الذي يكون فيه البعث (إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ) أي : إلا كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها ، والمعنى : وما أمر قيام الساعة في السرعة والسهولة إلا كطرف العين والمراد منه تقدير كمال القدرة ومعنى قوله تعالى : (أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) إنّ لمح البصر عبارة عن انتقال الجسم المسمى بالطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها ولا شك أنّ الحدقة مؤلفة من أجزاء فلمح البصر عبارة عن المرور على جملة تلك الأجزاء التي منها تألف الحدقة ولا شك أن تلك الأجزاء كثيرة والزمان الذي يحصل فيه لمح البصر مركب من آنات متعاقبة والله تعالى قادر على إقامة القيامة في آن واحد من تلك الآنات فلذلك قال أو هو أقرب إلا أنه لما كان أسرع الأحوال والحوادث في عقولنا وأفكارنا هو لمح البصر لا جرم ذكره ، ثم قال : (أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) تنبيها على ما مرّ ولا شبهة في أنه ليس المراد طريقة الشك فالمراد إذا بل هو أقرب ، وقال الزجاج : المراد به الإبهام على المخاطبين لا أنه تعالى يأتي بالساعة إمّا بقدر لمح البصر أو بما هو أسرع ، وقيل معناه : إنّ قيام الساعة وإن تراخى فهو عند الله كالشيء الذي تقولون فيه هو كلمح البصر أو هو أقرب مبالغة كقوله تعالى : (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) [الحج ، ٤٧]. (إِنَّ اللهَ) أي : الملك الأعظم (عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فيقدر على أن يحيي الخلائق دفعة واحدة كما قدر على إحيائهم ، فإنه تعالى مهما أراده كان في أسرع ما يكون.
ثم إنه تعالى عاد إلى الدلائل الدالة على وجود الصانع المختار فعطف على قوله تعالى : (وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً) قوله عزوجل : (وَاللهُ) أي : الذي له العظمة كلها (أَخْرَجَكُمْ) بقدرته وعلمه (مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ) حال كونكم عند الإخراج (لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً) من الأشياء قلّ أو جلّ فالذي أخرجكم منها قادر على إخراجكم من بطون الأرض بلا فرق بل بطريق الأولى. وقرأ حمزة والكسائي بكسر الهمزة والباقون بضمها ، وقرأ حمزة بكسر الميم والباقون بفتحها ثم عطف على أخرجكم قوله تعالى : (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ) آلات لإزالة الجهل الذي وقعت الولادة عليه وفتق مواضعها وسوّاها وعدلها ، وأنتم في البطون حيث لا تصل إليه يد ولا يتمكن من شق شيء منه بآلة فالذي قدر على ذلك في البطن إبداعا قادر على إعادته في بطن الأرض ، بل بطريق الأولى. قال البقاعيّ : ولعله تعالى جمعهما ، أي : الأبصار والأفئدة دون
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
