التأكيد ، وهذا ليس فيه بيان لأنه أعمّ ولا تأكيد. الثالث : أنه منصوب على أنه اسم مصدر واسم المصدر يعمل عمل المصدر على خلاف في ذلك.
ولما كان من لا يملك شيئا قد يكون موصوفا باستطاعة أن يتملك بطريق من الطرق نفى الله تعالى عنهم ذلك بقوله تعالى : (وَلا يَسْتَطِيعُونَ) أي : وليس لهم نوع استطاعة أصلا. فإن قيل : إنه تعالى قال : (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ) فعبر عن الأصنام بصيغة ما وهي لغير العاقل ثم جمع بالواو والنون. وقال : (وَلا يَسْتَطِيعُونَ) وهو مختص بمن يعقل؟ أجيب : بأنه عبر عنها ثانيا اعتبارا باعتقادهم أنها آلهة.
وفي تفسير قوله تعالى : (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ) وجهان : الأوّل : قال أكثر المفسرين : ولا تشبهوا الله بخلقه فإنه واحد لا مثل له ولا شبيه ولا شريك من خلقه لأنّ الخلق كلهم عبيده وفي ملكه ، فكيف يشبه الخالق بالمخلوق ، والرازق بالمرزوق ، والقادر بالعاجز. الثاني : أنّ عبدة الأوثان كانوا يقولون أنّ إله العالم أجل وأعظم من أن يعبده الواحد منا ، بل نحن نعبد الكواكب أو نعبد هؤلاء الأصنام ، ثم إنّ الكواكب والأصنام عبيد الإله الأكبر الأعظم كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حفدة الملك ، وأولئك الأكابر كانوا يخدمون الملك فكذا ههنا. (إِنَّ اللهَ) أي : الذي له الأمر كله ولا أمر لغيره (يَعْلَمُ) أي : خطأ ما أنتم عليه من ضرب الأمثال له. (وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) ذلك وقيل معناه : وأنتم لا تعلمون ما عليكم من العقاب العظيم بسبب عبادة هذه الأصنام ولو علمتموه لتركتم عبادتها.
ولما ختم تعالى إبطال مذهب عبدة الأصنام بسبب العلم الذي هو مناط السداد عنهم ، أكد ذلك بضرب مثل بقوله تعالى : (ضَرَبَ اللهُ) أي : الذي له كمال العلم وتمام القدرة. (مَثَلاً) بالأحرار والعبيد ثم أبدل من مثلا (عَبْداً) وقيده بقوله تعالى : (مَمْلُوكاً) ليخرج الحرّ. لأنّ العبد يطلق على الحرّ بالنسبة إلى الله تعالى وقيده بقوله تعالى : (لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ) ليخرج المكاتب ومن فيه شائبة حرّية وهذا مثل شركائهم ثم عطف على عبدا قوله : (وَمَنْ) أي : وحرّا فهي نكرة موصوفة ليطابق عبدا (رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً) أي : واسعا طيبا (فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ) دائما وهو معنى قوله تعالى : (سِرًّا وَجَهْراً) أي : يتصرف فيه كيف يشاء وهذا مثل الإله وله المثل الأعلى ثم بكتهم إنكارا عليهم بقوله تعالى : (هَلْ يَسْتَوُونَ) أي : هذان الفريقان الممثل بهما لأن المراد الجنس فإذا كان لا يسوغ في عقل أن يسوّي بين مخلوقين أحدهما حرّ مقتدر والآخر مملوك عاجز ، فكيف يسوّي بين حجر من صوّان أو غيره وبين الله تعالى الذي له القدرة التامّة على كل شيء ، وقيل : ذلك تمثيل للكافر المخذول والمؤمن الموفق.
تنبيه : جواب هل يستوون هو لا يستوون. وقوله تعالى : (الْحَمْدُ لِلَّهِ) قال ابن عباس : الحمد لله على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد ، وقيل المعنى : أن كل الحمد لله ، وليس شيء من الحمد للأصنام لأنه لا نعمة لها على أحد لأنها جماد عاجز ، أي : إنما الحمد لله لا لغيره فيجب على جميع العباد حمد الله لأنه تعالى أهل المحامد والثناء الحسن ، فكأنهم قالوا : نحن نعلم ذلك فقيل : (بَلْ أَكْثَرُهُمْ) أي : الكفار (لا يَعْلَمُونَ) لكونهم يسوّونه غيره ومن نفى عنه أصل العلم الذي هو أعلى صفات الكمال. كان في عداد الأنعام فهم لذلك يشبهون به ما ذكر ويضربون له الأمثال الباطلة ويضيفون نعمه إلى غيره.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
