(فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ) أي : بسبب ذلك قال المفسرون : اشتدّ الحرّ فيهم أياما ثم اضطرم عليهم المكان نارا فهلكوا عن آخرهم وقوله تعالى : (وَإِنَّهُما) فيه قولان : الأوّل : أن المراد قرى قوم لوط والأيكة. والقول الثاني : أنّ الضمير للأيكة ومدين ، لأنّ شعيبا كان مبعوثا إليهما فلما ذكر الأيكة دل بذكرها على مدين فجاء ضميرهما (لَبِإِمامٍ) أي : طريق (مُبِينٍ) أي : واضح والإمام اسم لما يؤتم به. قال الفراء : إنما جعل الطريق إماما لأنه يؤم ويتبع وقال ابن قتيبة : لأنّ المسافر يأتم به حتى يصل إلى الموضع الذي يريده.
ثم ذكر تعالى القصة الرابعة وهي قصة صالح عليهالسلام بقوله تعالى : (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ) وهم ثمود قوم صالح عليهالسلام وديارهم بين المدينة الشريفة والشام (الْمُرْسَلِينَ) أي : كلهم بتكذيب رسولهم كما كذب هؤلاء المرسلين بتكذيبك لأنّ الرسل يشهد بعضهم لبعض بالصدق فمن كذب واحدا منهم فقد كذب الجميع وهم في إثبات الرسالة بالمعجزة على حد سواء ثم أتبع ذلك قوله تعالى : (وَآتَيْناهُمْ) أي : بما لنا من العظمة والقدرة على يد رسولهم صالح عليهالسلام (آياتِنا) أي : آيات الكتاب المنزل على نبيهم أو معجزات كالناقة وكان فيها آيات كثيرة كخروجها من الصخرة وعظيم خلقها وقرب ولادتها وغزارة لبنها وإنما أضاف الآيات إليهم وإن كانت لنبيهم صالح عليهالسلام لأنه مرسل من ربهم إليهم بهذه الآيات (فَكانُوا عَنْها) أي : الآيات (مُعْرِضِينَ) أي : تاركيها غير ملتفتين إليها لا يتفكرون فيها.
ثم أخبر تعالى عنهم أنهم كانوا مثل هؤلاء في الأمن من العذاب والغفلة عما يراد بهم مع أنهم كانوا أشدّ منهم فقال تعالى : (وَكانُوا يَنْحِتُونَ) والنحت قلع جزء بعد جزء من الجسم على سبيل المسح (مِنَ الْجِبالِ) أي : التي تقدّم أنا جعلناها رواسي. (بُيُوتاً آمِنِينَ) عليها من الانهدام ونقب اللصوص وتخريب الأعداء لوثاقتها لا كبيوتكم التي لا بقاء لها على أدنى درجة. وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص برفع الباء والباقون بكسرها. (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ) أي : صيحة العذاب (مُصْبِحِينَ) أي : وقت الصبح.
(فَما أَغْنى) أي : ما دفع (عَنْهُمْ) الضرّ والبلاء (ما كانُوا يَكْسِبُونَ) أي : يعملون من بناء البيوت الوثيقة واستكثار الأموال والعدد. وعن جابر رضي الله تعالى عنه مررنا مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم على الحجر فقال لنا : «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين حذرا أن يصيبكم مثل ما أصاب هؤلاء ثم زجر رسول الله صلىاللهعليهوسلم راحلته فأسرع حتى خلفها» (١).
ولما ذكر تعالى هذه القصص تسلية لنبيه صلىاللهعليهوسلم فإنه إذا سمع أنّ الأمم السالفة كانوا يعاملون أنبياء الله بمثل هذه المعاملات سهل تحمل تلك السفاهة قال تعالى : (وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) أي : على ما لها من العلوّ والسعة والأرض على ما لها من المنافع والغرائب (وَما بَيْنَهُما) من هؤلاء المشركين المكذبين وعذابهم ومن المياه والرياح والسحاب المسبب عنه النبات وغير ذلك (إِلَّا بِالْحَقِ) أي : إلا خلقا ملتبسا بالحق فيتفكر فيه من وفقه الله تعالى ليعلم النشأة الآخرة بهذه النشأة الأولى (وَإِنَّ السَّاعَةَ) أي : القيامة (لَآتِيَةٌ) لا محالة فيجازي الله تعالى كل أحد بعمله.
__________________
(١) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء حديث ٣٣٨٠ ، ومسلم في الزهد حديث ٢٩٨٠.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
