ثم (قالَ) لهم : (هؤُلاءِ بَناتِي) أي : نساء القوم لأن كل أمة أولاد نبيها رجالهم بنوه ونساؤهم بناته فكأنه قال لهم : هؤلاء بناتي فانكحوهنّ وخلوا بني فلا تتعرّضوا لهم (إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) أي : ما أقول لكم أو قضاء الشهوة والكلام في ذلك قد مرّ بالاستقصاء في سورة هود وقرأ نافع بفتح ياء بناتي والباقون بسكونها قال الله تعالى لنبيه محمد صلىاللهعليهوسلم على لسان ملائكته : (لَعَمْرُكَ) أي : وحياتك وما أقسم بحياة أحد غيره وذلك يدل على أنه أكرم الخلق على الله تعالى (إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ) أي : شدّة غفلتهم التي أزالت عقولهم (يَعْمَهُونَ) أي : يتحيرون الخطاب للوط عليهالسلام قالت له الملائكة ذلك ، أي : فكيف يعقلون قولك ويلتفتون إلى نصيحتك.
تنبيه : لعمرك مبتدأ محذوف الخبر وجوبا وإنهم وما حيزه جواب القسم تقديره : لعمرك قسمي أو يميني إنهم والعمر والعمر بالفتح والضم واحد وهو البقاء إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح لإيثار الأخف فيه وذلك لأنّ الحلف كثير الدور على ألسنتهم بلعمري ولعمرك.
(فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ) أي : صيحة هائلة مهلكة وهل هي صيحة جبريل عليهالسلام. قال الرازي : ليس في الآية دليل على ذلك فإن ثبت بدليل قوي قيل به وإلا ليس في الآية دليل إلا أنهم جاءتهم صيحة عظيمة مهلكة وقوله تعالى : (مُشْرِقِينَ) أي : داخلين في وقت الشروق وهو بزوغ الشمس حال من مفعول أخذتهم.
ثم بين سبحانه وتعالى ما تسبب عن الصيحة معقبا لها بقوله تعالى : (فَجَعَلْنا) أي : بما لنا من العظمة والقدرة (عالِيَها) أي : مدائنهم (سافِلَها) بأن رفعها جبريل عليهالسلام إلى السماء وأسقطها مقلوبة إلى الأرض (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ) أي : أهل المدائن التي قلبت المدائن لأجلهم (حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) أي : طين طبخ بالنار.
تنبيه : دلت الآية الكريمة على أنّ الله تعالى عذبهم بثلاثة أنواع من العذاب أحدها الصيحة الهائلة المنكرة وثانيها : أنه جعل عاليها سافلها ، وثالثها : أنه أمطر عليهم حجارة من سجيل ، وتقدّمت الإشارة إلى ذلك في سورة هود.
(إِنَّ فِي ذلِكَ) أي : المذكور من هذه الأنواع (لَآياتٍ) أي : دلالات على وحدانية الله تعالى (لِلْمُتَوَسِّمِينَ) أي : للناظرين المعتبرين جمع متوسم وهو الناظر في السمة حتى يعرف حقيقة الشيء وسمته.
(وَإِنَّها) أي : هذه المدائن (لَبِسَبِيلٍ) أي : طريق قريش إلى الشأم (مُقِيمٍ) أي : لم يندرس بل يشاهدون ذلك ويرون أثره أفلا يعتبرون.
ثم قال سبحانه وتعالى مشيرا إلى زيادة الحث على الاعتبار بالتأكيد (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي : هذا الأمر العظيم (لَآيَةً) أي : علامة عظيمة في الدلالة على وحدانيته تعالى (لِلْمُؤْمِنِينَ) أي : كل من آمن بالله وصدّق الأنبياء والرسل عرف أنّ ذلك إنما كان لأجل أنّ الله تعالى انتقم لأنبيائه من أولئك الجهال ، أمّا الذين لا يؤمنون بالله فإنهم يحملونه على حوادث العالم ووقائعه.
ثم ذكر تعالى القصة الثالثة وهي قصة شعيب عليهالسلام بقوله تعالى : (وَإِنْ) مخففة من الثقيلة ، أي : وإنه (كانَ) أي : جبلة وطبعا (أَصْحابُ الْأَيْكَةِ) وهم قوم شعيب عليهالسلام وقد ذكر الله تعالى قصتهم في سورة الشعراء والأيكة الشجر المتكاثف وقيل الشجر الملتف وقال ابن عباس : هي شجر المقل. وقال الكلبي : الأيكة الغيضة ، أي : غيضة شجر بقرب مدين. (لَظالِمِينَ) أي : عريقين في الظلم بتكذيبهم شعيبا عليهالسلام.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
