وعن أبي عيسى رضي الله تعالى عنه قال : «سمعت رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول : من اغبرّت قدماه في سبيل الله حرّمه الله تعالى على النار» (١).
(وَلا يُنْفِقُونَ) في سبيل الله (نَفَقَةً صَغِيرَةً) تمرة فما دونها (وَلا كَبِيرَةً) أي : أكثر منها مثل ما أنفق عثمان رضي الله تعالى عنه في جيش العسرة (وَلا يَقْطَعُونَ) أي : يجاوزون (وادِياً) أي : أرضا في سيرهم مقبلين أو مدبرين (إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ) ذلك من الإنفاق وقطع الوادي (لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) أي : يجزيهم الله جزاء هو أحسن من أعمالهم وأجل وأفضل وهو الثواب.
فائدة : الوادي كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذا للسبيل وهو في الأصل فاعل من ودى إذا سال ومنه الوادي وقد شاع في استعمال العرب بمعنى الأرض يقولون : لا تصلّ في وادي غيرك.
تنبيه : في الآية دليل على فضل الجهاد والإنفاق فيه ويدل عليه أشياء :
منها ما روي عن ابن مسعود قال : جاء رجل بناقة مخطومة فقال : هذه في سبيل الله فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة» (٢).
ومنها ما روي عن زيد بن خالد أنّ رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا في سبيل الله فقد غزا» (٣).
ومنها ما روي عن سهل بن سعد الساعديّ أنّ رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها» (٤) وفي رواية وما فيها.
ومنها ما روي عن أبي سعيد الخدري أنّ رجلا سأل رسول الله صلىاللهعليهوسلم : أيّ الناس أفضل؟ قال :
«مؤمن مجاهد بنفسه في سبيل الله» قال : ثم أيّ؟ قال : «ثم رجل في شعب من الشعاب يعبد الله تعالى» وفي رواية يتقي الله ويدع الناس من شرّه (٥).
وقوله تعالى : (وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) فيه احتمالان :
الأول أنه كلام مبتدأ لا تعلق له بالجهاد.
والثاني أن يكون من بقية أحكام الجهاد فعلى الأوّل يقال : وما استقام لهم أن ينفروا جميعا لنحو غزو وطلب علم كما لا يستقيم لهم أن يتثبطوا جميعا فإنه يخلّ بأمر المعاش (فَلَوْ لا) أي : فهلا (نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ) أي : قبيلة (مِنْهُمْ طائِفَةٌ) أي : جماعة ومكث الباقون (لِيَتَفَقَّهُوا) أي :
__________________
(١) أخرجه البخاري في الجمعة حديث ٩٠٧ ، والترمذي في الجهاد حديث ١٦٣٢ ، والنسائي في الجهاد حديث ٣١١٦.
(٢) أخرجه مسلم في الإمارة حديث ١٨٩٢ ، والدارمي في الجهاد حديث ٢٤٠٢.
(٣) أخرجه البخاري في الجهاد حديث ٢٨٤٣ ، ومسلم في الإمارة حديث ١٨٩٥ ، وأبو داود في الجهاد حديث ٢٥٠٩ ، والترمذي في الجهاد حديث ١٦٢٨ ، والنسائي في الجهاد حديث ٣١٨٠.
(٤) أخرجه البخاري في الجهاد حديث ٢٨٩٢ ، والترمذي في الجهاد حديث ١٦٦٤.
(٥) أخرجه البخاري في الجهاد حديث ٢٧٨٦ ، ومسلم في الإمارة حديث ١٨٨٨ ، والترمذي في الجهاد حديث ١٦٦٠ ، وابن ماجه في الفتن حديث ٣٩٧٨.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
