قنعت مني بترك واحدة منها فعلت فقال صلىاللهعليهوسلم : «اترك الكذب» فقبل ذلك ثم أسلم فلما خرج من عند النبيّ صلىاللهعليهوسلم عرضوا عليه الخمر فقال : إن شربت وسألني النبيّ صلىاللهعليهوسلم وكذبت فقد نقضت العهد وإن صدقت أقام عليّ الحدّ فتركها ثم عرضوا عليه الزنا فجاء ذلك الخاطر فتركه وكذا في السرقة فعاد إلى النبيّ صلىاللهعليهوسلم وقال : ما أحسن ما فعلت لما منعتني عن الكذب انسدّت أبواب المعاصي عليّ وفات الكل.
ومنها ما قيل في قوله تعالى حكاية عن إبليس (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [ص ، ٨٢ ، ٨٣] لأنّ إبليس إنما ذكر هذا الاستثناء لأنه لو لم يذكره لصار كاذبا في ادّعاء إغواء الكل فكأنه استنكف عن الكذب فذكر هذا الاستثناء وإذا كان الكذب شيئا يستنكف منه إبليس لعنه الله فالمسلم أولى أن يستنكف منه.
ومنها قول ابن مسعود : الكذب لا يصلح في جدّ ولا هزل ولا أن يعد أحدكم أخاه ثم لا ينجز له اقرأوا إن شئتم وكونوا مع الصادقين.
(ما كانَ) أي : ما صح وما ينبغي بوجه من الوجوه (لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ) أي : دار الهجرة ومعدن النصرة (وَمَنْ حَوْلَهُمْ) أي : في جميع نواحي المدينة الشريفة (مِنَ الْأَعْرابِ) أي : سكان البوادي وهم مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار ، وقيل : عام في كل الأعراب لأنّ اللفظ عام وحمله على العموم أولى وقوله تعالى : (أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ) أي : عن حكمه وقوله تعالى : (وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ) أي : بأن يصونوها عما رضي لنفسه عليه الصلاة والسّلام من الشدائد يجوز فيه النصب والجزم على أن لا ناهية.
روي عن أبي خيثمة أنه بلغ بستانه واستوى ونضج وله امرأة حسناء فرشت له في الظلّ وبسطت له الحصير وقربت له الرطب والماء البارد فقال : ظلّ ظليل ورطب يانع أي : ناضج وماء بارد وامرأة حسناء ورسول الله صلىاللهعليهوسلم في الضح والريح ما هذا بخير فقام فرجل ناقته وأخذ سيفه ورمحه ومرّ كالريح فمدّ رسول الله صلىاللهعليهوسلم طرفه إلى الطريق فإذا براكب يزهاه السراب أي : يدفعه وهو عبارة عن السرعة فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «كن أبا خيثمة» (١) فكان هو ففرح به رسول الله صلىاللهعليهوسلم واستغفر له (ذلِكَ) أي : النهي عن التخلف (بِأَنَّهُمْ) أي : بسبب إنهم (لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ) أي : عطش (وَلا نَصَبٌ) أي : تعب (وَلا مَخْمَصَةٌ) أي : مجاعة (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي : في طريق دينه (وَلا يَطَؤُنَ) أي : يدوسون وقوله تعالى : (مَوْطِئاً) مصدر أي : وطأ أو مكان وطء (يَغِيظُ) أي : يغضب (الْكُفَّارَ) أي : وطؤهم له بأرجلهم ودوابهم (وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً) أي : قتلا أو أسرا أو غنيمة أو هزيمة أو نحو ذلك قليلا كان أو كثيرا (إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ) أي : بذلك (عَمَلٌ صالِحٌ) أي : ثواب جزيل عند الله تعالى يجازيهم به (إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) أي : لا يترك ثوابهم وأظهر موضع الإضمار تنبيها على أنّ الجهاد إحسان.
تنبيه : في هذه الآية دلالة على أنّ من قصد طاعة الله تعالى كان قيامه وقعوده ومشيه وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله تعالى وكذا القول في طرف المعصية فإنّ حركته فيها كلها سيآت فما أعظم بركة الطاعة وما أكبر ذل المعصية إلا أن يغفرها الله تعالى.
__________________
(١) أخرجه مسلم في التوبة باب ٩ ، حديث ٥٣ ، والهيثمي في مجمع الزوائد ٦ / ١٩٣ ، والطبراني في المعجم الكبير ٦ / ٣٨ ، ١٩ / ٤٣ ، ٨٥ ، والقرطبي في تفسيره ٨ / ٢٨٣.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
