حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥))
(لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَ) أي : تجامعوهنّ (أَوْ) لم (تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) أي : مهرا ، وما مصدرية ظرفية ، أي : لا تبعة عليكم في الطلاق زمن عدم المسيس والفرض بإثم ولا مهر ، والتبعة بكسر الباء : ما يتبع المال أو البدن من نوائب الحقوق ، وهو من تبعت الرجل بحقي. وقرأ حمزة والكسائي بضم التاء وألف بعد الميم ، والباقون بفتح التاء ولا ألف بعد الميم.
وقوله تعالى : (وَمَتِّعُوهُنَ) عطف على مفسد ، ولأنه طلب فلا يعطف على («لا جُناحَ» ؛) لأنه خبر أي : فطلقوهنّ ومتّعوهن ، والحكمة في إيجاب المتعة جبر إيحاش الطلاق ، ويسن أن لا تنقص عن ثلاثين درهما أو ما قيمته ذلك ، وإذا تراضيا بشيء فذاك ، وإن تنازعا في قدرها قدّرها قاض باجتهاده بقدر حالهما من يساره وإعساره ، ونسبها وصفاتها ، كما قال تعالى : (عَلَى الْمُوسِعِ) أي : الغني منكم (قَدَرُهُ) أي : ما يطيقه ويليق به (وَعَلَى الْمُقْتِرِ) أي : ضيق الرزق (قَدَرُهُ) أي : ما يطيقه ويليق به. ويدل عليه قوله صلىاللهعليهوسلم لأنصاري طلق امرأته المفوّضة قبل أن يمسها : «أمتعتها» قال : لم يكن عندي شيء قال : «متعها بقلنسوتك» (١). ومفهوم الآية يقتضي تخصيص إيجاب المتعة للمفوّضة التي لم يمسها الزوج ، وألحق بها الشافعي رضي الله تعالى عنه الممسوسة المفوّضة وغيرها قياسا وهو مقدّم على المفهوم.
وقرأ ابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بفتح الدال ، والباقون بسكونها وقوله تعالى : (مَتاعاً) تأكيدا لمتعوهن بمعنى تمتيعا وقوله تعالى : (بِالْمَعْرُوفِ) أي : شرعا صفة «متاعا» وقوله تعالى : (حَقًّا) صفة ثانية لمتاعا أي : متاعا واجبا عليهم ، أو مصدر مؤكد أي : حق ذلك حقا (عَلَى الْمُحْسِنِينَ) أي : المطيعين الذين يحسنون إلى أنفسهم بالمسارعة إلى الامتثال ، أو إلى المطلقات بالتمتيع ، وسماهم قبل الفعل محسنين كما قال عليه الصلاة والسّلام : «من قتل قتيلا فله سلبه» (٢) ترغيبا وتحريضا. ولما ذكر الله تعالى حكم المفوّضة أتبعها حكم قسيمها بقوله تعالى :
(وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ) يجب لهن ويرجع لكم النصف ، وهو دليل على أنّ الجناح المنفي ثم تبعة المهر ، وأن لا متعة مع التشطير ؛ لأنه قسيمها (إِلَّا) لكن (أَنْ يَعْفُونَ) أي : الزوجات فلا يأخذن شيئا.
فإن قيل : أي فرق بين قولك : الرجال يعفون والنساء يعفون؟ أجيب : بأن الواو في الأوّل ضمير هم ، والنون علم الرفع والواو في الثاني لام الفعل ، والنون ضميرهن ، والفعل مبني لا أثر في لفظه للعامل ، وهو في محل النصب.
(أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) وهو الزوج المالك لعقده وحله ، كما يعود إليه بالتشطير
__________________
(١) أخرجه القرطبي في تفسيره ٣ / ٢٠٢ ، بلفظ : «متعها ولو بقلنسوتك».
(٢) أخرجه البخاري في المغازي حديث ٤٣٢٢ ، ومسلم في الجهاد حديث ١٧٥١ ، وأبو داود في الجهاد حديث ٢٧١٧ ، والترمذي في السير حديث ١٥٦٢.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
