نكاحا فالسر كناية عن النكاح الذي هو الوطء ؛ لأنه مما يسر قال الأعشى (١) :
|
ولا تقربنّ جارة إنّ سرها |
|
عليك حرام فانكحن أو تأبدا |
وقال امرىء القيس (٢) :
|
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني |
|
كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي |
ثم عبر بالسر الذي هو كناية عن الوطء عن عقد النكاح ؛ لأنّ العقد سبب في الوطء وقيل : هو الزنا ، كان الرجل يدخل على المرأة من أجل الزينة ، وهو يعرض بالنكاح ويقول لها : دعيني فإذا وفيت عدتك أظهرت نكاحك قاله الحسن. وقيل : هو أن يصف نفسه لها بكثرة الجماع كأن يقول : آتيك الأربعة والخمسة ونحو ذلك.
فإن قيل : أين المستدرك بقوله : ولكن لا تواعدوهنّ سرا؟ أجيب : بأنه محذوف لدلالة ستذكرونهنّ عليه ، تقديره : علم الله أنكم ستذكرونهنّ فاذكروهنّ ولكن لا تواعدوهنّ سرا. (إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً) أي : ما عرف شرعا من التعريض فلكم ذلك ، فإن قيل : أين المستثنى منه؟ أجيب : بأنه محذوف أي : لا تواعدوهنّ مواعدة إلا مواعدة معروفة غير منكرة ، أو إلا مواعدة بقول معروف.
قال في «الكشاف» : ولا يجوز أن يكون استثناء منقطعا من «سرا» لأدائه إلى قولك : لا تواعدوهنّ إلا التعريض ، وقال البيضاوي : وقيل : إنه استثناء منقطع من سرا وهو ضعيف لأدائه إلى قولك : لا تواعدوهن إلا التعريض ، وهو ـ أي : التعريض ـ غير موعود أي : بل منجز سرا أي : في السر على أن المواعدة في السر عبارة عن المواعدة بما يستقبح لأنّ مسارتهنّ في الغالب مما يستحيا من المجاهرة به.
(وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ) أي : على عقده ، وفي ذلك مبالغة في النهي عن عقد النكاح في العدّة ؛ لأنّ العزم يتقدّم على العقد فإذا نهي عما يتقدمه فهو أولى بالنهي ، كما في قوله تعالى : (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى) [الإسراء ، ٣٢] (حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ) أي : المكتوب (أَجَلَهُ) بأن ينتهي ما فرض فيه من العدّة (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ) من العزم وغيره (فَاحْذَرُوهُ) أي : خافوا عقابه (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ) لمن عزم ولم يفعل خوفا من الله (حَلِيمٌ) لا يعاجلكم بالعقوبة.
(لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧) حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ
__________________
(١) البيت من الطويل ، وهو في ديوان الأعشى ص ١٨٧ ، ولسان العرب (نكح) ، وكتاب العين ٧ / ١٩٠ ، وديوان الأدب ٢ / ١٥١ ، وتاج العروس (نكح) ، وبلا نسبة في المخصص ٥ / ١١ ، وتهذيب اللغة ٤ / ١٠٢.
(٢) البيت من الطويل ، وهو في ديوان امرئ القيس ص ٢٨ ، وديوان الأدب ٣ / ٣٠.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
