فيترك لها الكل. وقيل : هو الولي إذا كانت المرأة محجورة ، وهو قول قديم للشافعيّ ، وهو مروي عن ابن عباس ، وقوله تعالى : (وَأَنْ تَعْفُوا) مبتدأ خبره (أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) والخطاب للرّجال والنساء جميعا ؛ لأنّ المذكر والمؤنث إذا اجتمعا كانت الغلبة للمذكر أي : وعفو بعضكم عن بعض أقرب للتقوى (وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) أي : أن يتفضل بعضكم على بعض بإعطاء الرجل تمام الصداق أو بترك المرأة نصيبها ، حثهما جميعا على الإحسان (إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) لا يضيع فضلكم وإحسانكم بل يجازيكم به.
(حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ) الخمس بأدائها في أوقاتها ، ولعل الأمر بالصلاة إنما وقع في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج ؛ لئلا يلهيهم الاشتغال بشأنهم عنها. (وَالصَّلاةِ الْوُسْطى) أي : الوسطى بين الصلوات أو الفضلى ، من قولهم للأفضل : الأوسط ، وإنما أفردت وعطفت على الصلوات لانفرادها بالفضل ، وهي صلاة العصر على الراجح لقوله صلىاللهعليهوسلم يوم الأحزاب : «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم نارا» (١) وفضلها لكثرة اشتغال الناس في وقتها واجتماع الملائكة قال صلىاللهعليهوسلم : «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار» (٢) وقيل صلاة الصبح ، لأنها بين صلاتي الليل والنهار ، والواقعة في الجزء المشترك بينهما لأنها مشهودة تشهدها الملائكة الحفظة ، نصّ عليها الشافعيّ رحمهالله تعالى لكن رجح الأصحاب الأوّل عملا بقوله : حيث صحّ الحديث فهو مذهبي وقيل : صلاة الظهر ؛ لأنها وسط النهار ، وكانت أشق الصلوات عليهم ، فكانت أفضل لأنه صلىاللهعليهوسلم سئل : أيّ الأعمال أفضل؟ فقال : «أحزمها» (٣) وهو بحاء مهملة وزاي أقواها وأشدها ، وقيل : صلاة المغرب لأنها متوسطة بالعدد لأنّ عددها بين عددي الركعتين والأربع ، وقيل : صلاة العشاء لأنها بين جهريتين واقعتين طرفي النهار لا يقصران ، وهما المغرب والصبح وقال بعضهم : هي إحدى الصوات الخمس لا بعينها أبهمها الله تعالى تحريضا للعباد في المحافظة على أداء جميعها ، كما أخفى ليلة القدر في شهر رمضان ، وساعة إجابة الدعوة في يوم الجمعة وأخفى اسمه الأعظم في الأسماء ليحافظوا على جميعها (وَقُومُوا لِلَّهِ) في الصلاة (قانِتِينَ) أي : مطيعين لقوله صلىاللهعليهوسلم : «كل قنوت في القرآن فهو طاعة» (٤) أو ساكنين لحديث زيد بن أرقم : «كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت ، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام» (٥) ، رواه الشيخان. وقال ابن المسيب المراد به القنوت في الصبح.
(فَإِنْ خِفْتُمْ) من عدوّ أو سبع أو سيل أو نحو ذلك (فَرِجالاً) جمع راجل أي : مشاة صلوا (أَوْ رُكْباناً) جمع راكب أي : كيف أمكن مستقبلي القبلة ، وغير مستقبليها ويومىء بالركوع والسجود ، ويجعل السجود أخفض من الركوع. والصلاة في حال الخوف على أقسام وهذه صلاة
__________________
(١) أخرجه البخاري في الدعوات حديث ٦٣٩٦ ، ومسلم في المساجد حديث ٦٢٧ ، والترمذي في التفسير حديث ٢٩٨٤ ، والنسائي في الصلاة حديث ٤٧٣.
(٢) أخرجه البخاري في المواقيت حديث ٥٥٥ ، ومسلم في المساجد حديث ٦٣٢.
(٣) أخرجه المناوي في فيض القدير ٦ / ١٥٤ ، وأخرجه العجلوني في كشف الخفاء ١ / ١٧٥ ، بلفظ : «أفضل العبادات أحمزها» بتقديم الميم على الزاي.
(٤) أخرجه أحمد في المسند ٢ / ٧٥ ، بلفظ : «كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة». وأخرجه القرطبي في تفسيره ١٤ / ٢٠ ، ١٥ / ٢٣٩.
(٥) أخرجه البخاري في التفسير حديث ٤٥٣٤ ، ومسلم في المساجد حديث ٥٣٩.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
