(لِتَعْتَدُوا) أي : لا تقصدوا بالمراجعة المضارة بتطويل الحبس. نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار ، طلق امرأته حتى إذا قرب انقضاء عدّتها راجعها ثم طلقها بقصد مضارتها ، (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) أي : أضرّ بها بتعريضها إلى عذاب الله ، وقرأ أبو الحارث الليث بإدغام اللام من يفعل في الذال حيث جاء والباقون بالإظهار (وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً) أي : مهزؤا بها بمخالفتها ؛ لأنّ كل من خالف أمر الشرع فهو متخذ آيات الله هزوا ، وقيل : كان الرجل يتزوّج ويطلق ويعتق ويقول : كنت ألعب فنزلت.
وروي عن أبي هريرة أنه صلىاللهعليهوسلم قال : «ثلاث جدّهنّ جدّ : وهزلهنّ جدّ الطلاق والنكاح والرجعة» (١)(وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ) التي من جملتها الإسلام والإيمان وبعثة النبيّ صلىاللهعليهوسلم (وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ) أي : القرآن (وَالْحِكْمَةِ) أي : السنة ، أفردهما بالذكر إظهارا لشرفهما وذكرها مقابلتها بالشكر والقيام بحقوقها (يَعِظُكُمْ بِهِ) أي : بما أنزل عليكم ليدعوكم به إلى دينه (وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) لا يخفى عليه شيء ففي ذلك تأكيد وتهديد.
(وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَ) أي : انقضت عدّتهنّ (فَلا تَعْضُلُوهُنَ) أي : تمتعوهنّ من (أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَ) أي : المطلقين لهنّ. وعن الشافعيّ رضي الله تعالى عنه دل سياق الكلامين أي : وهما أمسكوهنّ إلخ .. و «فلا تعضلوهنّ» على افتراق البلوغين ، فالمراد بالأوّل المقاربة ، وبالثاني الوصول كما تقرّر ، والعضل الحبس والتضييق ، ومن العضل بهذا المعنى عضلت الدجاجة إذا علقت بيضتها فلم تخرج.
فائدة : رسمت التاء في نعمت بالتاء المجرورة ، ووقف ابن كثير وأبو عمرو والكسائيّ بالهاء ، ويميلها الكسائيّ في الوقف ، ووقف الباقون بالتاء على الرسم والمخاطب بذلك الأولياء لما روي أنه نزلت في معقل بن يسار ، حين عضل أخته أن ترجع إلى الزوج الأوّل ، ففي الآية دليل على أنّ المرأة لا تزوّج نفسها ، إذ لو تمكنت منه لم يكن لعضل الوليّ فائدة ، ولا يعارض ذلك بإسناد النكاح إليهنّ ؛ لأنه إنما أسند إليهن لتوقف النكاح على إذنهنّ ، وقبل الخطاب للأولياء والأزواج ، وقيل : للناس كلهم أي : لا يوجد فيما بينكم هذا الأمر ، فإنه إن وجد بينهم وهم راضون به كانوا كالفاعلين.
له وقوله تعالى : (إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ) أي : الأزواج والنساء ظرف ؛ لأن ينكحن أو لا تعضلوهنّ وقوله تعالى : (بِالْمَعْرُوفِ) أي : بما يعرفه الشرع ويستحسنه من كونه بعقد حلال حال من ضمير تراضوا ، أو صفة مصدر محذوف أي : تراضيا كائنا بالمعروف وفيه دلالة على أنّ العضل عن التزوج من غير كفء غير منهي عنه (ذلِكَ) أي : النهي عن العضل (يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) لأنه المتعظ أو المنتفع به.
فإن قيل : لمن الخطاب في قوله : (ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ؟) أجيب : بأنه يجوز أن يكون لرسول الله صلىاللهعليهوسلم ولكل أحد كما في قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ) [الطلاق ، ١] ونحوه (ذلِكُمْ) أي : ترك العضل (أَزْكى) أي : أنفع (لَكُمْ وَأَطْهَرُ) لكم ولهنّ من دنس الآثام لما يخشى على الزوجين من الريبة بسبب العلاقة بينهما (وَاللهُ يَعْلَمُ) ما فيه المصلحة (وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) ذلك
__________________
(١) أخرجه أبو داود في النكاح حديث ٢١٩٤ ، والترمذي في النكاح حديث ١١٨٤.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
