لقصور علمكم ، وقوله تعالى :
(وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَ) خبر بمعنى الأمر كقوله تعالى : (وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ) وهو أمر استحباب لا أمر إيجاب ، لأنه لا يجب عليهنّ الإرضاع إذا كان يوجد من يرضع الولد ، لقوله تعالى في سورة الطلاق : (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ) فإن رغبت الأمّ في الإرضاع فهي أولى من غيرها ، أمّا إذا لم يوجد من يرضعه فيجب عليها إرضاعه ، والوالدات يعمّ المطلقات وغيرهنّ وقيل : يختص بالمطلقات إذ الكلام فيهنّ (حَوْلَيْنِ) أي : عامين (كامِلَيْنِ) صفة مؤكدة كما في قوله تعالى : (تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ) [البقرة ، ١٩٦] لأنّ العرب قد تسمي بعض الحول حولا ، وبعض الشهر شهرا ، كما قال الله تعالى : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ) [البقرة ، ١٩٧] وإنما هو شهران وبعض الثالث وقال تعالى : (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) [البقرة ، ٢٠٣] وإنما يتعجل في يوم وبعض يوم.
وقال قتادة : فرض الله على الوالدات إرضاع حولين كاملين ثم أنزل التخفيف فقال : (لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ) أي : هذا منتهى الرضاع ، وليس فيما دون ذلك حدّ محدود ، إنما هو على مقدار إصلاح المولود وما يعيش به.
(وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ) أي : الوالد (رِزْقُهُنَ) أي : إطعام الوالدات (وَكِسْوَتُهُنَ) أجرة لهنّ على الإرضاع إذا كنّ مطلقات ، واختلف في استئجار الأم للإرضاع فجوّزه الشافعيّ ومنعه أبو حنيفة ما دامت زوجة أو معتدّة نكاح.
فإن قيل : لم قال تعالى : (الْمَوْلُودِ لَهُ) دون الوالد؟ أجيب : بأنه تعالى إنما ذكر ذلك ليعلم أنّ الوالدات إنما ولدن لهم ؛ لأنّ الأولاد للآباء ولذلك ينتسبون إليهم لا إلى الأمّهات. وأنشد للمأمون بن الرشيد (١) :
|
فإنما أمّهات الناس أرعية |
|
مستودعات وللآباء أبناء |
فكان عليهم أن يرزقوهنّ ويكسوهنّ إذا أرضعن ولدهم ألا ترى أنه ذكره باسم الوالد حيث لم يكن هذا المعنى وهو قوله تعالى : (وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً) [لقمان ، ٣٣] وقوله تعالى : (بِالْمَعْرُوفِ) يفسره ما يعقبه وهو قوله تعالى : (لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها) أي : طاقتها فلا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه (لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها) أي : بسببه ، بأن تكره على إرضاعه أو تكلف فوق طاقتها (وَلا) يضار (مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ) أي : بسببه ، بأن يكلف فوق طاقته ، وإضافة الولد إلى كلّ منهما للاستعطاف ، وللتنبيه على أنّ الولد حقيق بأن يتفقا على استصلاحه ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو تضار بضمّ الراء بدل من قوله : لا تكلف والباقون بفتحها (وَعَلَى الْوارِثِ) أي : وارث الأب ، وهو الولد أي : على الوليّ في مال الولد (مِثْلُ ذلِكَ) أي : الذي كان على الأب للوالدة من الرزق والكسوة ، وقيل : هو وارث الولد الذي لو مات الولد لورثه ، وقيل : الباقي من الأبوين أخذا من قوله صلىاللهعليهوسلم : «اللهمّ متعنا بأسماعنا وأبصارنا واجعلهما الوارث ـ أي : الباقي ـ منا» (٢) والمعنى واجعل كل منهما في لزومه لنا مدّة الحياة كأنه باق بعد الموت (فَإِنْ أَرادا) أي : الوالدان (فِصالاً) أي : فطاما له صادر (عَنْ
__________________
(١) البيت بلا نسبة في المستطرف للأبشيهي ٢ / ٤٨٧.
(٢) أخرجه الترمذي في الدعوات حديث ٣٥٠٢.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
