وعلى ذلك قوله : (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ)(١) ، وهذا الابيضاض والاسوداد أبلغ من المحسوسين (٢). وقال بعض المتكلمين : يحمل ذلك على المحسوس ، لكونه حقيقة فيه (٣) ، وهذا خطأ (٤) ، وذلك لأنه لم يعلم أن ذلك حقيقة فيهما جميعا ، فليس الاسوداد والابيضاض أكثر من كيفية عارضة في الوجه ، قلّ ذلك أم كثر ،
__________________
(١) سورة عبس ، الآية : ٤٠.
(٢) قال الزجاج : وابيضاضها : إشراقها وإسفارها ، وقال الله عزوجل : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ* ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) [عبس : ٣٨ ، ٣٩] ، أسفرت واستبشرت لما تصير إليه من ثواب الله ورحمته. (وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) اسودادها لما تصير إليه من العذاب. قال الله : (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ) [عبس : ٤٠]. معاني القرآن وإعرابه (١ / ٤٥٣). وكثير من المفسرين قالوا بذلك. انظر : النكت والعيون (١ / ٤١٥) ، وتفسير القرآن للسمعاني (١ / ٣٤٧) ، ومعالم التنزيل (٢ / ٨٧) ، والمحرر الوجيز (٣ / ١٩٠) ، والجامع لأحكام القرآن (٤ / ١٦٧).
(٣) قال الزمخشري : «فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه ، وابيضت صحيفته وأشرقت ، وسعى النور بين يديه وبيمينه ، ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون وكسوفه وكمده ، واسودت صحيفته وأظلمت وأحاطت به الظلمة من كل جانب» الكشاف (١ / ٣٩٩).
(٤) قال أبو حيان : «الجمهور على أن ابيضاض الوجوه واسودادها على حقيقة اللون ، والبياض من النور. والسواد من الظلمة» البحر المحيط (٣ / ٢٤).
وقال ابن عطية : «ويحتمل أن يكون ذلك تسويدا ينزله الله بهم على جهة التشويه والتمثيل بهم ، على نحو حشرهم زرقا ...» المحرر الوجيز (٣ / ١٩٠).
![تفسير الراغب الأصفهاني [ ج ١ ] تفسير الراغب الأصفهاني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4015_tafsir-alraqib-alisfahani-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
