ابن عرفة : هذا لف ونشر ، لأنه لما تقدم ذكر المثل ، وذكر بعد الفريقين عقبه بيان أنه يضل به قوما ويهدي به آخر ، واللف والنشر قسمان : موافق ، كقوله تعالى : (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ) [سورة آل عمران : ١٠٦].
قال : وحكمة ذلك في الجمع الاهتمام بمقام التحريف والإنذار ، فلذلك بدأ بأهل الشقاوة في الآيتين.
وقال ابن عرفة : وكان يقول في هذه الآية إنما بينا على القول الصحيح بأن ارتباط الدليل بالمدلول عادي ، ومذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري وقد نصوا على أن الحق لا يستلزم الباطل بوجه وإنما يستلزم حقا مثله ، وجاءت هذه الآية بعد ذكر ضرب المثل الذي جعله الله دليلا للمكلفين على صحة الرسالة ، ثم عقبه بيان أنه يستلزم الضلال ، كما قالوا : أنه يستلزم الخوف وغاية ما فيه أن يقال : الغالب عليه استلزام الحق ، وقد يستلزم للباطل.
قال ابن عرفة : فاقتضت الآية أن المثل الذي هدى الله به المؤمنين أضل الله به بقية الكافرين وهو سبب في الشيء ونقيضه هو غير مذهب أهل السنة ؛ لأن جميع الأشياء كائنه بإرادة الله وقدرته.
وأورد الزمخشري سؤالا قال فإن قلت : لم قال : (يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً) وهم قليلون ، قال تعالى : (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) [سورة سبأ : ١٣] ، وقال : (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ) [سورة ص : ٢٤].
قال ابن عرفة : السؤال غير وارد ؛ لأن (الشَّكُورُ) أخص من الشاكر ، والشاكر مهدي فلا يلزم من كون الشاكر قليلا أن يكون المهدي قليلا.
قال : والآية الأخرى تقتضي نسبة العلة لمن آمن وعمل الصالحات وهو أخص بمن اتصف بمطلق الإيمان ومطلق الاهتداء ، فلو قرر السؤال بقوله تعالى : (وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) [سورة يوسف : ١٠٣] لكان صحيحا متوجها.
قيل لابن عرفة : إنما السؤال بخبر وارد على مذهبنا ، وأما عند الزمخشري وسائر المعتزلة فهو وارد ؛ لأن المؤمن عندهم هو الذي عمل الصالحات والقليل عندهم كافر.
![تفسير ابن عرفة [ ج ١ ] تفسير ابن عرفة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3997_tafsir-ibn-alarafah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
