وأورد الزمخشري سؤالا قال : ما الفائدة في قوله : (مِنَ السَّماءِ) ، وكأنه إخبار بالمعلوم كقولك : السماء فوقنا والأرض تحتنا ، ولذلك منع سيبويه الابتداء بالنكرة ، كقولك : رجل قائم ، إذ لا فائدة فيه ، وأجاب بجواب لا ينهض.
قال ابن عرفة : وعادتهم يجيبون بأن فائدته التنبيه على شدة ما هم فيه من الهول ؛ لأن حصول الألم والتأثير بشيء ينزل من موضع مرتفع بعيد الارتفاع أشد من حصوله مما ينزل من موضع دونه في الارتفاع ، فأخبر الله تعالى أن هذا المطر ينزل من السماء البعيدة فيكون تأثيره وتأثير رعده وبرقه وصواعقه أشد.
قوله تعالى : (فِيهِ ظُلُماتٌ).
يحتمل أن يكون من باب القلب ؛ لأن المطر ينزل في الظلمات ؛ لأن الظلمات فيه ، ويحتمل أن يكون الظلمات في المطر حقيقة ، والأول أظهر ولذا تقدم في قوله تعالى : (إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ) [غافر : ٧١]. وفي قوله تعالى : (إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ) [يس : ٨]. وتقدم أنه من باب القلب فإن أعناقهم هي التي في الأغلال لا العكس ، وتقدم الجواب عنه بأنه حقيقة على أن الأغلال ضيقة جدا فتحصر أعناقهم وتدخل فيها حتى تصير الأغلال مضروبة في أعناقهم.
قوله تعالى : (فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ).
وفصل بينهم بجملة اعتراض بقوله : وهي ، قوله تعالى : (وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ) ، أتت مشدودة لما قبلها واختلفوا في كاد ، فقيل : نفيها إيجاب وإيجابها نفي ، قال ابن الحاجب : إذا دخل النفي عليها فهي كالأفعال ، ونظر أبو حيان.
قال ابن عرفة : الظاهر عندي أن الخلاف لفظي راجع إلى الوفاء فمن رد النفي إلى المقاربة جعلها كسائر الأفعال ، ومن رده إلى نفس الفعل الذي تعلقت به المقارنة. [١١/٢] قال : نفيها إثبات وإثباتها نفي ، فإن قلت : هلا قال : أنار لهم مشوا فيه؟
والجواب أن شدة الظلمة لا يزيلها إلا شدة الضوء ، وقيل : النور لا يزيلها ؛ لأن شدة الضوء عقيب شدة التخويف ، فإن قلت : هلا تبدل وإذا ذهب ضوءه عنهم قاموا ، فإن ذهاب الضوء يكون بحصول مطلق ظلمة حسبما تقدم أن الضوء هو إفراط الإنارة.
![تفسير ابن عرفة [ ج ١ ] تفسير ابن عرفة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3997_tafsir-ibn-alarafah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
