قال ابن عطية : الأصم هو من لا يسمع ، والأبكم هو من لا ينطق ولا يفهم ، والأخرس من يفهم ولا ينطق ، وقيل : الأبكم والأخرس واحد.
قال ابن عرفة : تقدم في الأصول أنه إذا تعارض الترادف والتباين فالتباين أولى ، وانظر معنى كونهما سواء هل يرد الأبكم إلى الأخرس أو بالعكس؟ وعادتهم يقررونه بأن معنى كونهما سواء أن الأبكم والأخرس الذي لا ينطق سواء فهم أو لم يفهم ، ولو فسرناه برد الأخرس إلى الأبكم للزم عليه الإهمال والتعطيل ؛ لأنه يكون الأصم من لا ينطق ، والأخرس والأبكم من لا ينطق ولا يفهم ، ويمكن أن يكون من يفهم ولا ينطق واسطة بينهما مهملا ، قيل له : إنا نجد الأخرس هكذا ، فقال : فقد يكون في الشيوخ الصم من تعطل فهمه.
قال : والترتيب في الآية فرد بوجهين : إما أنه على حسب الوجود الخارجي ؛ لأن المكلف يسمع قول النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : " أنا رسول من عند الله ، فينطق فيقول : ما دليل صدقك؟ فيريه انشقاق القمر وغيره من الآيات".
وإما لأن الأمور منها ما يتصور عن الشخص وهو منفعل ، ومنها ما يتصور عنه وهو فاعل ، فحاسة السمع من قسم المنفعل لا من قسم الفاعل ؛ لأن الإنسان يسمع الشيء من غيره وليس له فعل ، وحاسة النطق من قسم الفاعل لأنه لا يتكلم إلا باختياره أن له إذ تكلم وإلا سكت.
وحاسة البصر جامعة للأمرين ، فالنظرة الفجائية من قسم المنفعل لا تسبب للإنسان فيها ، وما عداها من قسم الفاعل فبدأ أولا بقسم المنفعل ؛ لأن الكلام في شيء مخلوق حادث ، والأصل في الحادث الانفعال لا الفعل ، وهما خبرا مبتدأ مضمر وحسن حذف المبتدأ لكون الخبر لا يصلح إلا له وتعدد الخبر فيه خلاف فمنعه بعضهم ، وأجازه آخرون بشرط كون الجميع في معنى خبر واحد ، ومنهم من كان يجعله خلافا ، ومنهم من جمع بين القولين بأن الذي منع من التعدد إنما منع حيث يكون الخبران متناقضان ، كقولك : زيد قائم قاعد أو ساكن متحرك ساكن ، والذي أجازه بشرط الجمعية في خبر واحد هذا مراده ؛ لأن النقيضين لا يجتمعان في معنى واحد بوجه.
قوله تعالى : (فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ).
![تفسير ابن عرفة [ ج ١ ] تفسير ابن عرفة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3997_tafsir-ibn-alarafah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
