غيره لم يتأول ؛ لأن الشارع يذكر الألفاظ الموهمة للابتداء بها (فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) [سورة إبراهيم : ٤] فالمحقق تصرفها عن ظاهرها إلى الصواب ، والمبطل يقف مع الظاهر ، وأما إذا وردت من غير الشارع فلا تتأول ، قلت : وكذا قال الزمخشري : لفظ الكرسي تخيل ، والمخيل يعبر عن الشيء ويلازمه ، لقوله تعالى : (طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ) [سورة الصافات : ٦٥].
قوله تعالى : (وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما).
إن قلت : هلا قيل : (حِفْظُهُما) بضمير جماعة ما لا يعقل ، أو حفظه بضمير الكرسي لاشتماله على العرش والسماوات والأرض ، والشيء مع نفيه ليس كهو مع غيره ، فلا يلزم من نفي الثقل على السماوات والأرض بخصوصيتها نفي الثقل عنها مع غيرها ، فالجواب : أنه خصصهما بالذكر ؛ لأن المشاهد أن للإنسان الذي يراهما ، ويوافق على امساكهما وعدم إزالتها ليكون ذلك أقطع في الاستدلال ، وأقوى في قيام الحجة عليه.
قوله تعالى : (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).
قال ابن عطية : أي عظيم القدر والخطر ، وليس من عظيم الإجرام ، وحكى الطبراني ، عن قوم : إن العظيم بمعنى المعظم ، كقولهم : العتق بمعنى المعتق ، وأنكره آخرون ، وقالوا : لو كان بمعنى معظم لوجب أن يكون عظيما قبل أن يخلق الخلق وبعد فنائهم ، إذ لا معظم له حينئذ.
قال ابن عرفة : وهذا الإنكار غير صحيح بل يفهم ، كما قال الضرير في أرجوزته : لأنه قسم الحمد على قسمين : قديم ، وحادث ، فالقديم حمده تعالى نفسه.
قوله تعالى : (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ).
نقل ابن عرفة.
عن ابن عطية الخلاف في سبب نزولها ، قال : الظاهر عندي أنه على ظاهرها ، ويكون خبرا في اللفظ والمعنى ، والمراد أنه ليس في الاعتقاد إكراه ، وهو أولى من قول من جعلها خبرا في معنى النهي ، وكان أبو عمر ولد أبي الحسن المرضي في أيام مملكته ، جمع كل من في بلده من النصارى وأهل الذمة ، وقال لهم : إما أن تسلموا أو ضربت أعناقكم ، فأنكر عليه فقهاء بلده ومنعوه ، وكان في عقله اختبال.
![تفسير ابن عرفة [ ج ١ ] تفسير ابن عرفة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3997_tafsir-ibn-alarafah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
