تضمن الكلام السابق أمرا اعتقاديا وأمرا فرعيا ، وهذا تضمن أمرا فرعيا فقط ، وسفك الدماء أشد من الإخراج من الديار ، فالنهي عنه لا يستلزم الإخراج من الديار فكان لك ترقيا في الذم وقراءة يسفكون بالتخفيف أعم من قراءة التشديد لأنه نهى عن مطلق السفك ، ووجه قراءة التشديد أن النهي أتى على وفق حالهم في سفك الدماء ، وكانوا قد تناهوا وبلغوا الغاية.
قوله تعالى : (ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ).
ابن عرفة : إما أن المراد أقررتم بذلك إقرارا يتضمن أنكم حصل لكم بذلك العلم اليقيني فهو تبليغ إلى درجة الشهادة لأن الإنسان يقر بما يظن ولا يشهد إلا بما يعلم ، قلت : وأشار إليه الزمخشري حيث جعله ، كقولك : فلان مقر على نفسه بكذا شاهد عليها.
ابن عرفة : وإما أن يراد أقر كل واحد منكم على نفسه وشهد على غيره ، الزمخشري ، وقيل : وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقراركم أسلافكم بهذا الميثاق ، زاد ابن عطية وأفردهم بهذا الميثاق بعد سلف أنه أخذ عليكم ، ويصح أن يكون من الإقرار الذي هو ضد الجحد ، أو من الإقرار الذي هو إبقاء الأمر على (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) أي حضور أخذ الميثاق والإقرار.
قوله تعالى : (بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ).
يحتمل أن يكون الإثم هو مواقعة الذنب خطأ من غير قصد ، والعدوان مواقعته عن قصد.
قوله تعالى : (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ).
أنكر عليهم تناقضهم ، كما في قوله تعالى : (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ) [سورة البقرة : ٤٤] ، وليس المتكرر كل واحد منهم من الأمرين على حدته لأن الإيمان بالبعض وأمر الناس بالبر غير منكر إنما المنكر جحد البعض وعدم الاتصاف بالبر والمنكر الجمع بين الأمرين ، وعبر بالمضارع للثبوت والدوام ، قيل لابن عرفة : في الآية حجة لمن يقول بوجوب هذا الأسر ، لقوله : (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ) بعد أن قال : (وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ) فدل على أن الأسر من جملة ما في كتابهم ، فإذا قلنا : إن شرع من قبلنا شرع لنا نقول إن الفداء في شرعنا واجب فقال : نعم.
![تفسير ابن عرفة [ ج ١ ] تفسير ابن عرفة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3997_tafsir-ibn-alarafah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
