وإذا حان وقت إرخاء الحجب يرونه قبل ذلك ، وهذا لعموم المريدين والمؤمنين.
فأما العارفون والمحبون والمشتاقون والموحدون فهم في منازل وصاله وكشف جماله بالسرمدية ، ولا ينقطعون عنه لمحة ، ولو احتجبوا لحظة لماتوا في الجنة من فوت ذلك الحال ، ولو بقي أهل الجنة في مشاهدة الحق على الدوام لذابوا من صولة سطوات جلاله وجماله.
قال أبو يزيد ـ قدس الله روحه : «لو احتجبت في الجنة عن لقائه لمحة أنغص العيش على أهل الجنة».
قال محمد بن عيسى الهاشمي : ردّ الأشباح إلى قيمتها عن المطعم والمشرب بكرة وعشيّا ، وتزاد الأرواح والأسرار عن ذلك بقوله : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ) [الدخان : ٥١] ، وهو مقام لا ينزله إلا من كان ظاهر الأمانة سرّا وعلنا.
ثم بيّن سبحانه أن تلك الجنة ، والمشاهدة الكريمة الأزلية لمن كان متبرئا بهمته عن الكونين ، وبسره عن الدارين ، وبعقله عن العالمين ، وبحقيقته عن نفسه ، وعن جميع الخلائق بقوله : (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا) الجنات هي منازل شتى جنة المحبة ، وجنة المعرفة ، وجنة التوحيد ، وجنة رؤية أنوار الفعل ، وحكم الغيب فيها ، وأسرار المقادير ، وجنة منها رؤية أنوار الصفات ، ومشاهدة كل صفة للعارفين جنة وعيان الذات جنان ، وهو أصل كل جنة ، فأهل الحق في كل لحظة في جنة من هذه الجنان ، وأوصافهم التبري من غير الله ، فإذا خرج عن الأكوان والحدثان فأورثه الحق تلك الجنان ، وحاشا أنها مقرونة باكتساب الحدث ، بل اصطفاهم في الأزل بتلك الخاصية ، ووقاهم من محن الامتحان والحرمان ، وأعطاهم حسن وصاله ، وكشف لهم من جلاله وجماله.
قال بعضهم في هذه الاية : نجعلها لم يطلبها بفضلنا لا بعمله ؛ فإن الجنة ميراث سعادات الأزل لا ميراث الأعمال والعمل سمة ربما يتحقق ، وربما لا يتحقق والتقوى نتيجة تلك السعادة.
قال الواسطي : إذا بلغت العقول الغاية ، وبلغ بها النهاية ؛ فحاصلها يرجع إلى حدث يليق بحدث ، وحسبك من ذلك قوله : (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا) لما كان التقوى وصفك قابلك بما يليق بك ، وأعلمك أنه غاية ما يليق بتقواك ، ونهايتك في نجواك.
ثم إن الله سبحانه ذكر وصفه وربوبيته وسلطته وكبريائه وإحاطته بجميع الأشياء علما وقدرة وحكما وإثباتا لحقوق الربوبية على أهل العبودية بقوله : (رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما) وصف ارتسام السماوات والأرض ، وانتظام ما بينهما باصطناع قدرته ، وإحاطة
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ٢ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3976_tafsir-araes-albayan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
