والقربات المداناة بقوله : (أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ).
ثم وصفهم مع ما أنعم عليهم بالخشوع والخضوع والبكاء والوجد في السجود بعد ما أعطاهم الاصطفائية والاجتبائية والمعرفة والإصابة والحكمة والمشاهدة والشوق والمحبة ، انظر إلى ذكر هيجانهم وشوقهم إلى لقائه ، ووجدهم بقربه ، وحركاتهم في إجلاله عند نزول الايات عليهم بقوله تعالى : (إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (٥٨)) ما أطيب ذلك البكاء ، وما أحلى ذلك السجود ، بكاؤهم من رؤية عظمته ، وسجودهم من كشف عزته ، وحركاتهم من شدة شوقهم إلى معادن المشاهدات وأسرار المداناة.
|
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد |
|
فقد زادني مسراك وجدا على وجدي |
|
بكلّ تداوينا فلم يشف ما بنا |
|
على أنّ قرب الدّار خير من البعد |
ثم إن الله سبحانه ذكر المخالفين عقب ذكر الأنبياء والمرسلين ، وذمهم بزوغانهم عن سبل أهل السعادة ، واقتحامهم غيابات أهل الضلاله بقوله : (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ) لما استكبروا عن متابعة أهل الحق ، وادعوا بالدعاوى الباطلة ، سقطوا عن أعين القوم ، واحتجبوا بما رأوا من أنفسهم من الترهات والطامات والمزخرفات والأباطيل من الخيالات والمحالات عن لطائف الطاعات ، ومقام المناجاة ، وحسن المراقبات ، ووقعوا في ورطات الشهوات ، وصاروا أئمة الضلالات.
قال محمد بن حامد : أولئك قوم حرموا تعظيم الأنبياء والأولياء والصديقين ، فحجبهم الله من معرفته ، وأصابتهم شقاوة تلك الحال ؛ فأضاعوا الصلاة التي هي محل وصلة العبد مع سيده ترسموا بها ، ولم يتحققوا فيها ، واتبعوا آراءهم وأهواءهم فأصابهم الخذلان حرموا بذلك السعادة ، وأثر الشقاوة على العبيد هو حرمان الخدمة ، وتصغير من عظم الله حرمته.
(لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣) وَما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦))
قوله تعالى : (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا) الرزق هناك حقيقة كشف مشاهدة الحق ورؤية جماله ووجدان وصاله ، فكل وقت ينكشف جماله لهم ، فذلك الوقت بكرتهم ،
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ٢ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3976_tafsir-araes-albayan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
