الحقيقة حسن المعرفة بالله.
قوله تعالى : (وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً) الكرامات للنفوس على مرتبتين : الأولى : لها لطمأنينتها في إيمانها بالله ، والأخرى : لها لامتناعها عن معصية الله ، رؤية آيات العظمة للنفس تخويف ، وللعقل تحذير ، وللقلب خشية ، وللروح ترويح واستئناس ، وللسر إجلال وتعظيم ، ولسر السر معرفة وتوحيد ويقين ، وشاهده الذات بعد الصفة.
قال الحارث المحاسبي : الايات التي يظهرها الله في عباده رحمة على السابقين ، وتنبيه للمقتصدين ، وتخويف للعاصين.
سئل أحمد بن حنبل عن هذه الايات : (وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً)؟ قال : موعظة وتحذيرا ، والايات هي الشباب والكهولة والشيبة ، وتقلب الأحوال بك لعلك تتغير بحال أو تتعظ في وقت.
(وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (٦٤) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً (٦٥) رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٦٦) وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً (٦٩) وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً (٧٠))
(وَاسْتَفْزِزْ) إلى آخره تمكن الشيطان من إغواء العباد على أقسام ؛ لأن الاستعدادات متفاوتة ، فمن كان ضعيف الاستعداد استفزه أي : استخفه بصوته يكفيه ، وسوسه وهمس بل هاجسه ، ولمه.
قوله تعالى : (وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ) إشارة الحقيقة مع العارف إذا وقع في بحر الديمومية والأزلية ، واستغرق في طوفان الأولية ، وفني في سطوات الألوهية ، تبرأ مما له من الكرامات ، والولايات ، والفراسات ، والمقامات ، والحالات ، والمكاشفات ، والمعارف ، ودعاوي الاتحاد والاتصاف ، ويلتجئ منه إليه ، فلما خرج من تلك الأحوال الرفيعة إلى مقاماته الشريفة رجع إلى رؤية الأحوال والمقامات ، فيدّعي ما كان مدّعيا
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ٢ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3976_tafsir-araes-albayan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
