علم الله تعالى أدب الرضا ، والسؤال في هذه الاية الصادقين والعارفين والمريدين.
قال إبراهيم بن أدهم : من رضي بالمقادير لم يغتم.
وقال فضيل الراضي : لا يتمنى فوق منزلته.
ثم إن الله تعالى لما دس رغام الحرمان في أفواه المدّعين بمقام الإيمان والمعرفة ، الذين طلبوا من النبي صلىاللهعليهوسلم ما خص الله به الروحانيين والربانيين ، مما ألزم على أعناق أهل الدنيا الذين يجمعونها من سهم الزكاة ذكر أنّه استأثره لأهل المراقبات والمشاهدات ، وغيرهم من أهل المقامات بقوله : (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها) : إن الله سبحانه قسّم هذه الجوائز من فضله ولطفه على أهل معرفته ، رحمة منه عليهم بعلمه أنهم غائبون في أودية فردانيته ، المستغرقون في بحار وحدانيته ، والهون من حبه هائمون ، ومن شوقه لا يطيقون أن يشتغلوا بما لا بدّ لهم من كثيرات حريقات ؛ ليأخذوا كلهم على قدر مراتبهم من سهام ما رزقهم الله حلالا طيبا مما أوجبه على طلاب الدنيا ، وحذّر أهل الدنيا من عذابه الأليم ، إذ يقصرون في إعطاء الزكاة إلى هؤلاء السادة يطيب نفوسهم ، ونشاط قلوبهم وبين عدد أهلها.
وقسمهم ثمانية أقسام ، وجعل أولهم الفقراء ، وحسم أطماع غيرهم عن هذه السهام.
وقال : (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ) : ومن بعدهم من أصناف الثمانية ، ودليل الخطاب أن هذه لهم لا لغيرهم بدأ بالفقراء ، وهم : المتجردون بقلوبهم وأبدانهم عن الكونين والعالمين ، المنعوتون بنعت التنزيه حيث وقعوا في قدس القدم ، فاتصفوا بقدسيته ، وتنزهوا بتنزهيه ، وانفردوا بفردانيته يفتقرون إلى وصال الأبد.
(وَالْمِسْكِينَ) : هم الذين سكنوا في حجاب الأنس بنور القدس ، حاضرين في العبودية بنفوسهم ، غائبين في أنوار الربوبية بقلوبهم ؛ لذلك اختار المسكنة سيد فرسان العالمين محمد صلىاللهعليهوسلم بقوله : «اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا وأحشرني في زمرة المساكين» ، وأنشد :
|
مساكين أهل الأرض شاقت قلوبهم |
|
فهم أنفس عاشوا بغير قلوب |
(وَالْعامِلِينَ) : أهل التمكين من العارفين ، وأهل الاستقامة من الموجدين الذين وقعوا في نور البقاء ، فأورثتهم البسط والانبساط ، فيأخذون منه ويعطون له ، وهم خزائن خزائن جوده ، المشفقون على أوليائه ، قلوبهم معلقة بالله لا بغيره من العرش إلى الثرى.
(وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) : هم المريدون الذين سلكوا طريق محبته برقة قلوبهم ، وصفاء نيّاتهم ، وبذلوا مهجتهم في عساكر ميادين شوقه ومحبته وعشقه ، وهم عند الأقوياء ضعفاء الأحوال ، يحفهم الله هذه التحفة في مواساة حظوظهم ، واستجلاب نشاط نفوسهم في
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ٢ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3976_tafsir-araes-albayan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
