أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥) وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨))
قوله تعالى : (وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى) وصف الله الجاهلين بجلاله ، المحجوبين عن مشاهدة جماله ، الذين لم يذوقوا من عبودية خالقهم طعم وصاله ، ولو كانوا أهل الذوق من مناجاة الله في الصلاة وإدراك قرة العيون منها ، لكان حالهم كمال ما أخبر صلىاللهعليهوسلم عن المصلّي الصادق بقوله : «المصلي يناجي ربه» (١).
وما أخبر عن حال نفسه عليهالسلام : «جعلت قرة عيني في الصلاة» (٢).
ولكن خصّ الله هذه المراتب الشريفة بالخاشعين في جبروته ، والمتواضعين في الملكوت بقوله : (وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ) [البقرة : ٤٥] ، ووصفه إياهم بقوله : (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ) [المؤمنون : ٢].
قال محمد بن الفضل : من لم يعرف الأمر ، قام إلى الأمر على حد الكسل ، ومن عرف الأمر قام إليه على حد الاستغناء والاسترواح.
قوله تعالى : (فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ) إن الله سبحانه حذّر المؤمنين بما خاطب نبيه عليهالسلام عما مع أهل الدنيا من الأموال والزينة أن يستحسنوها ، فيحتجبون بها عن عمل الاخرة ورؤيتها ، فإن الناظر إلى الدنيا بنعت استحسانها من حيث الشهوة والنفس والهوى ، يسقط في الساعة عن مشاهدة ملك الملكوت ، وأنوار الجبروت.
وبيّن سبحانه أن أموال الدنيا سبب احتجابهم عن الله ، وإيصال العذاب إليهم ؛ لأن الدنيا إذا كثرت لم تخل من الحرام والشبهات ، ومن باشر الحرام ، وأكل الشبهات صار معذّبا بحجاب الباطن ، وعمي عن مكاشفة الاخرة ، وعذاب الظاهر بالغرامة في الدنيا والعذاب في الاخرة قال صلىاللهعليهوسلم : «حلالها حسنات ، وحرامها عذاب» (٣).
قال بعضهم : لا يعجبك ما يتزينون به من صنوف الأموال والعبيد والخدم ، ويستكثرون به من أولاد.
__________________
(١) رواه البخاري (١ / ١٩٨).
(٢) رواه أحمد في المسند (٣ / ١٢٨).
(٣) رواه الديلمي في الفردوس (٥ / ٢٨٣) ، وفيه (نجاسة) بدل (حسنات).
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ٢ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3976_tafsir-araes-albayan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
