صاحبه بل يزيد نورها ، ويمكن أن ذهاب بصره غيرة الله عليه حين بكى لغيره ، وإن كان واسطة بينه وبينه.
وقال سبحانه : (وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ) وما قال : عميت عيناه حجب عيني يعقوب عليهالسلام عن النظر إلى العالم حتى لا ينظر إلى غير الله ؛ فرجع نور بصره إلى بصيرته ؛ فيرى بذلك جمال الله سبحانه ، لأجل ذلك قال : (وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ).
وتصديق ذلك ما قاله الشيخ أبو علي الدقاق ـ رحمة الله عليه : لم يكن في الحقيقة عمى ، وإنما كان ذلك حجابا عن رؤية غير يوسف عليهالسلام.
سئل أبو سعيد القرشي : لم لم تذهب عين آدم عليهالسلام وداود عليهالسلام من طول بكائهما ، وذهبت عين يعقوب عليهالسلام؟ قال : لأن بكاءهما كان من خوف الله ، وبكاء يعقوب عليهالسلام كان من فقد ولده ، فحفظا وعوقب.
وقال أيضا : بكاء الأحزان يعمي ، وبكاء الشوق يجلي البصر ، قال الله تعالى : (وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ) ، وقال أيضا : الكظيم الممتلئ من الغم.
وقال ابن عطاء : أراد أن يبكي على يوسف عليهالسلام فتغرغرت عيناه ؛ فأراد أن يرسلها فوجد لذة البكاء ؛ فكظمها وردها في عينيه فابيضتا.
ولي لطيفة مجربة وذلك أن كل نظير من جهة عشق الإنساني ؛ فداؤه وتعذيبه أشد من داء محبة الله وتعذيبه ؛ لأن في محبة الإنسان كثافة وشدة ؛ لأنه منزل الابتلاء والعذاب ، وفي محبة الله وعشقه لطفا وحلاوة ربانية لا يكون بإزائها راحة الجنان ، ولذلك هناك البلاء أطيب ، والمحبة أعذب ، فلما كان يعقوب عليهالسلام في أشد المحبة وعظم المحبة تجلد في كظمها ، ولذا قال : (فَهُوَ كَظِيمٌ) ؛ لأن هناك مكان الشكوى وشناعة ، ولو لا أن كظم لفشى حاله أكثر مما فشي في العالم ، وصفه بالتمكين في تحمل البلاء ، ومن كثرة كظمه الحزن والتأوه احترق مسلك نور الباصرة من مكان الروح الناطقة ؛ لأن نور الباصرة تجري من نور روح الناطقة في أضيق طريق من شريان الدماغ ، فلما احترق السبيل انسد باب الباصرة ، وابيضت عيناه من احتجابها عن أنوار الروح ، فلما رأوه حين جدد عليه ذكر يوسف عليهالسلام والأسف عليه وهم محجوبون من نور الفراسة في ذلك الوقت من استنشاق ريح يوسف عليهالسلام أنكروا على أبيه في ذكر يوسف عليهالسلام بقوله : (قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ) لم تعلموا أن العاشق لا يزال ذاكرا لمعشوقه ، وكيف يسكن المحب عن ذكر محبوبه ، وهو مستغرق بجميع وجوده في ذكر محبوبه.
|
فإن تمنعوا ليلى وحسن حديثها |
|
فلم تمنعوا عنّي البكا والقوافيا |
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ٢ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3976_tafsir-araes-albayan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
