خوّفوه بالهلاك والخرص ، وكيف يفزع العاشق من هلاكه في عشق محبوبه وهلاكه وحياته؟!
قال تعالى : (بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ) وكيف كان يسكن عن ذكر يوسف عليهالسلام ، وفي بصر سرّه ينظر إلى شاهد خيال يوسف؟!
|
غاب وفي قلبي له شاهد |
|
يولع إضماري بذكراه |
|
مثلث الفكرة لي وجهه |
|
حتى كأني أراه |
قال أبو سعيد القرشي : لا تزال تذكر يوسف عليهالسلام ، فمتى تذكر رب يوسف عليهالسلام؟
وقال أيضا : كل مشتاق لا يزال يذكر أنيسه وحبيبه حتى يغيره الناس على ذلك ، فإما يموت ، وإما يصل إلى قربة.
فلذلك قوله : (تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ) قيل : أطيب الأشياء في الهوى الهلاك في حكم الهوى ، فكيف يخوف بالهلاك من كان أحب الأشياء إليه الهلاك ، فما سمع ملامتهم ولم يرهم أهلا لدائه وحمل موارد الحق عليه أعرض عنهم.
وقال : (قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ) أي : أن ما أجد من امتحان الله عليّ وعظيم بلائه ، وما أرى فيها من لطائف صنعه وكشوف غرائب وجوده وأنوار وجوده لا البسط إلا في بساط الحق ، ولا أحمل ذلك إلا على الحق ؛ فإنه يحمل هذه الأثقال التي لو تحمل على السماوات والأرضين والجبال والبحار لتضمحل وجودها تحت سلطان قهرها ، وكيف أذكرها لكم وأنتم محجوبون عن ذلك ، وتصديق ذلك (وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) كان بث يعقوب عليهالسلام وحزنه من الله ، وكذا شكواه ؛ فقال : أشكو منه إليه ، وأفرق حزني بين يديه ؛ لأن ما منه لا يرجع إلا إليه ، ما أطيب شكوى المحب إلى حبيبه ؛ لأن الحبيب يعلم مداواة حبيبه لا غير ، إلى الله أشكو ما لقيت من الهجر وكثرة البلوى ، ومن قلة الصبر ، ومن حرق بين الجوانح والحشا كحجم العضا ، لا بل أحرّ من الجمر.
قال سهل بن عبد الله : لم يكن حزن يعقوب عليهالسلام على يوسف عليهالسلام إنما كان مكاشفا لما وجد من قلبه شدة الوجد على مفارقة يوسف عليهالسلام ، قال : كيف يكون وجد فراق الحق على مفارقة يوسف عليهالسلام ، قال : كيف يكون وجد فراق الحق وقد عمل بي مفارقة يوسف عليهالسلام كل هذا فشكا وبث وحزن وما وقع لي من قوله : (وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) أي : أنا لا أشكو إلى غيره ، فإني أعلم غيرته على أحبائه وأهل معرفته ، إذا شكا إلى أحد إلى غيره يعذبه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين ، وأنتم لا تعلمون ذلك ، وأيضا أعلم من الله أن من صبر في
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ٢ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3976_tafsir-araes-albayan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
