أتأسى وقد أخذنا منك واحدا ، وأبقينا لك عشرا ، فأنت مع هذا تظهر الشكوى ، وتقول صبر جميل.
وقال ابن عطاء : بكاء يعقوب عليهالسلام وتأسفه لفقد الألفة ، وذلك أنه لما لقي يوسف عليهالسلام زاد في البكاء ، فقال : يا أبت ، تبكي عند الفراق ، وعند التلاقي ، قال : ذلك بكاء حرقة الفراق ، وهذا بكاء الدهشة.
وقال أبو سعيد القرشي : أوحى الله إلى يعقوب عليهالسلام : يا يعقوب تتأسف على غيري ، وعزتي لاخذن عينيك ، ولا أردهما عليك حتى تنساه.
وقال : التأسف على الغاية تضييع وقت ثان.
ثم وصف يعقوب عليهالسلام بشدة حزنه وذهاب بصره ، فقال : (فَهُوَ كَظِيمٌ) الحكمة في ذهاب بصر يعقوب عليهالسلام وبقاء بصر آدم عليهالسلام وداود عليهالسلام أن بكاء يعقوب عليهالسلام بكاء الحزن معجون بألم الفراق ، وذلك من واقعة فقدان تجلي جمال الحق من مرآة وجه يوسف عليهالسلام.
وكان يعقوب عليهالسلام في خصائص العشق من الله سبحانه ، وكان يغذيه من مقام العشق لطائف الالتباس ، فلما فقد ذلك الواسطة فقد مطالعة جمال الحق بعظم شأن الفراق ، وبعد يوم التلاق ، وذهب نور البصر مع المبصر حتى لا ينظر به إلى شيء دونه.
وبكاء آدم عليهالسلام وداود عليهالسلام بكاء الندم من مقام البداية والتوبة ، ومقام الندم لم يكن قويا حزنه وحرقته ، ولو كانا في مقام العشق كما كان يعقوب عليهالسلام لذاب وجودهما ، وأنى مقام التوبة والندم من مقام العشق والالتباس الذي من عوالي درجات المعرفة ، وشأنهما شأن أقواء المعرفة أعني العشق والالتباس ، ألا ترى إلى يونس عليهالسلام وشعيب عليهالسلام كيف ذهب بصرهما في شوق الله ، وكانا لا يبكيان من الندم ، بل يبكيان من الشوق إلى جمال الله ؛ فذهب بصرهما لذلك.
وفي الحديث المروي : «إنّ شعيبا كان بكى حتى عمي ، فردّ الله بصره عليه ، ثم بكى حتى عمي فرد الله بصره عليه ، فأوحى الله إليه : إن كان هذا البكاء لأجل الجنة ؛ فقد أبحتها لك ، وإن كان لأجل النار ؛ فقد أجرتك عنها ، فقال : لا ، بل شوقا إليك فأوحى الله إليه لأجل ذلك أخدمتك نبيي وكليمي عشر سنين» (١).
وهكذا حال يونس عليهالسلام في الشوق ؛ فعرض الجنة عليه ، وأمنه من النار ، فقال : بعزتك لو كان بيني وبينك بحر من النار أخوض فيها حتى أصل إليك ، وأيضا كل بكاء يكون من الحزن والغم والخوف يضر بعين صاحبه ، وكل بكاء يكون من الشوق والمحبة لا يضر بعين
__________________
(١) ذكره القشيري في «الرسالة القشيرية» (١ / ١٤٩).
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ٢ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3976_tafsir-araes-albayan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
