بالمؤاكلة معهم ، وأنى يفعل الغني بمال الفقراء لم ير نفسه أهلا في ملكه أن يأكل طعام الفقراء ، وفيه ما فيه من الإشارة إلى أن ما وجد الأولون والاخرون من معرفة الله وتوحيده ومحبته وعبوديته في جنب ما يجدون منه يوم الكشف الأعظم أقل من كل شيء ؛ فيرد بكبريائه ما يليق بالحدثان على الحدثان ، لأنه تعالى بقدمه وجلاله منزه عن أن يدركه أحد من خلقه ، وأن يطلع على أسرار ذاته وصفاته أحد من عباده يرد متاع العبودية على الخلق ؛ لأنها لا يليق بربوبيته فيغنيهم بما له عمالهم.
ألا ترى إلى قوله عليهالسلام : «لن ينج أحد منكم عمله» ، قالوا : يا رسول الله ، ولا أنت؟
قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة وفضل» (١).
قال بعضهم : إن أعمال الخلق كلها مردودة عليهم ؛ فإنهم إنما عملوها بأنفسهم ، قال تعالى : (وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) وأن الذي يلحقهم من الكرامات من جهة التفضل لا من جهة الجزاء.
(قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦٨))
قوله تعالى : (فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ) رأى يعقوب عليهالسلام نية بنيه صادقة في شأن بنيامين بأنهم يتحفظونه ، ويأتون به إلى يعقوب عليهالسلام ، ورأى يعقوب عليهالسلام بنور النبوة ما يقع في المستقبل ؛ فتعرف عجزهم عن دفع القدر ؛ فقال الله : (عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ) أي : ليس على مرادي ومرادكم بل يفعل كما يريد ، وهو قادر بحفظه وإرجاعه إليّ.
قال بعضهم : ما اعتمد منهم الميثاق لما سبق منهم إليه قبل ذلك ؛ فعلم أنّ مواثيقهم وحفظهم معلولة فقال : (فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً) ، وقال : (اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ) هو الذي يحفظ قلوبكم ، ولا يحلكم إلى آراءكم وأهوائكم ، ثم عرفهم أسباب العلم والعقل ، واستعمالها لتوقعه أن تتجاوز الأقدار عنهم بناقض من الحق ، من قدر سبق الأقدار.
__________________
(١) رواه البخاري (٢٨١٦) ، ومسلم (٥٣٤٩).
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ٢ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3976_tafsir-araes-albayan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
