عليه أن يهلك بنيامين بين يديه ويزيد داؤه على دائه ، ولولا ذلك لما قال : (فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ) بأن ليس من دأب الفتيان طلب العرض بالإحسان ، والإشارة فيه أن من لم يأت في طريق محبة الله بالوفاء على عهد المعرفة ضاقت عليه طرق وصاله.
قال بعضهم : من خالف مراد سيده فيه ضيق الله عليه رزقه وحرمه مقام القربة بحال وأصل ذلك قوله : (فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ) الاية.
وقال الأستاذ : المحبة لما كان غيور ليعقوب عليهالسلام ليسلي عن يوسف عليهالسلام برؤية بنيامين أبت المحبة إلا أن يظهر سلطانها بالكمال ؛ فغارت على بنيامين أن ينظر إليه يعقوب عليهالسلام بعين يوسف عليهالسلام.
(قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤))
قوله تعالى : (فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) رأى يعقوب عليهالسلام في مرآة البلاء أن بنيامين يعتزل عنه بغير اختياره ؛ فرجع من الأسباب إلى مسبب الأسباب ، وطلب منه الحفظ والعناية والرعاية لا من الخلق ، والإشارة في قوله : (فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً) أي : من حفظه أن يرد عليه يوسف عليهالسلام من بنيامين ، أي : هو تعالى يحفظهما جميعا ، وذلك قوله : (عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً) ، ومعنى قوله : (وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) برحمته أن يشفني ريح يوسف عليهالسلام ، ويقر عيني بالنظر إلى وجهه ، ثم بعد ذلك يتجاوز عن التفاتي في محبته إلى غيره ويريني جماله وجلاله تعالى.
قال بعضهم : قال يعقوب عليهالسلام : جربت حفظكم في واحد حين قلتم : (وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) اعتمدت عليكم في يوسف عليهالسلام ، ولم أرجع فيه وفي حفظه إلى الله ؛ فلقيت فيه ما لقيت ، وإني في هذا أرجع إلى ربي ألا أعتمد حفظكم له (فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً) لما استحفظه ربه رد عليه الأول والثاني.
(وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥))
قوله تعالى : (وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ) قيل : متاعهم ظاهر الكرم ، ورد إليهم باطنا لئلا يشق عليهم أثقال المنة ما وجدوا ليوسف عليهالسلام لمتاعهم في خزائنه موضعا لا يليق إلا بالفقراء والمساكين ؛ فرد إليهم لئلا يزاحم بغناه على الفقراء
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ٢ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3976_tafsir-araes-albayan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
