ألا ترى إلى قوله : (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ) يراقب من إثبات القدر ومحوه ؛ فقال الله تعالى : (يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ) خاف من عين غيرة القدم على مقدور القدم ؛ فينتظر عليه سبق الرضا على السخط بقوله سبحانه : «سبقت رحمتي غضبي» (١).
فاستدرك بعد استعمال العلم صرف التوحيد ؛ فقال : (وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ) أي : تدبيري وعلمي وعقلي وحذري لا تدفع سابق القدر ؛ فأرضى بما هو كائن منه تصديق ذلك قوله : (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) ما يريد يكون كما أراد ، ثم برئ من حوله وقوته بقوله : (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) ، وحقيقة التوكل رفع التدبير عند رؤية التقدير.
وفي الاية إشارة كان سر يعقوب عليهالسلام أشار إلى بنيه أي : إذا عزمتم بقلوبكم وأرواحكم وعقولكم وأسراركم سلوك سبيل الحق لا تدخلوا فيه بسبيل واحد بل ادخلوا عليه بسبيل الصفات لتعرفوا حقائقها وتعرفوا بحقائقها عين الذات ؛ فإن من عرفه بصفة واحدة لم يعرفه بما استحقه من أوصاف القدم وصفات الأزل.
قال جعفر في قوله : (لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ) : نسي يعقوب عليهالسلام اعتماده على العصبة والقوة ، وأن القضاء يغلب التدبير بقوله : (لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ) ، ثم استدرك عن قريب وساعده التوفيق ، وقال : (وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ).
قال ابن عطاء : كيف يرد عن غيره من لا يرد عن نفسه ، وكيف يقوم بكفاية الغير من هو عاجز عن سياسته.
وقال الحسين : صدق التوكل استعمال السبب مع ترك الاختيار قال الله : (لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ ...) الاية.
وقال الواسطي : التوكل الصبر بطوارق المحن.
قال الأستاذ في قوله : (لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ) يحتمل أن يكون أراد بتفريقهم في الدخول لعل واحدا منهم يقع بصره على يوسف عليهالسلام إن لم يره الاخر قول الله تعالى : (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ) بيّن الله سبحانه أن ما أوصى يعقوب عليهالسلام لبنيه قهر نظر نوري أبصر به كينونة القدر ؛ فاستقبله به لا بنفسه ، وكان عالما بما رأى بأمور استعمال الشريعة والغفل
__________________
(١) سبق تخريجه.
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ٢ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3976_tafsir-araes-albayan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
