يحتمل أن يجتمعوا على ذلك كذبا أو غلطا ، ثم ألزم قومهم قبول خبرهم وإن احتمل الغلط والكذب بقوله : (وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ).
والآية تخرج على وجهين :
أحدهما : أن كل أهل بلدة وأهل قبيلة يختارون من يصلح للتفقه في الدين والتعلم فينفر ، حتى إذا تفقه وتعلم رجع إلى قومه فيعلمهم.
والثاني : يأمر من يصلح للتفقه بالتخلف عن الجهاد إذا كان بهم غنية ليتفقه عند رسول الله ، فينذر قومه إذا رجعوا إليه من غزاتهم.
قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)(١٢٣)
وقوله ـ عزوجل ـ : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ).
اختلف فيه ؛ قال بعضهم (١) : نزلت الآية قبل أن ينزل قوله : (وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) [التوبة : ٣٦].
كان الأمر بالقتال بالأدنى فالأدنى ، ثم جاء الأمر بقتال الكفار عامة.
وقال بعضهم : إن رسول الله كان إذا غزا ربما كان يجاوز كفارا ويتركهم (٢) وراءه ويقاتل غيرهم ؛ ليكون ذلك آية لنبوته ، [و](٣) ليعلم أنه لا يبالي بمن يقاتل ولا يخاف من تركهم وراءه ، ثم أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا الأقرب فالأقرب منهم والأدنى فالأدنى وألا
__________________
ـ بالغرض منه ، وهو اكتساب خشية الله ، والحذر من بأسه.
قال الغزالي رحمهالله : كان اسم الفقه في العصر الأول اسما لعلم الآخرة ، ومعرفة دقائق آفات النفوس ، ومفسدة الأعمال ، والإحاطة بحقارة الدنيا ، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة ، واستيلاء الخوف على القلب ، ويدل عليه هذه الآية. كذا في (العناية).
قال الزمخشري في الآية : وليجعلوا غرضهم ومرمى همتهم في التفقه ، إنذار قومهم وإرشادهم والنصيحة لهم ، لا ما ينتحيه الفقهاء من الأغراض الخسيسة ، ويؤمونه من المقاصد الركيكة ، من التصدر والترؤس والتبسط في البلاد ، والتشبه بالظلمة في ملابسهم ومراكبهم ، ومنافسة بعضهم بعضا ، وفشو داء الضرائر بينهم ، وانقلاب حماليق أحدهم إذا لمح ببصره مدرسة لآخر ، أو شرذمة جثوا بين يديه وتهالكه على أن يكون موطأ العقب دون الناس كلهم. فما أبعد هؤلاء من قوله عزوجل : (لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً)[القصص : ٨٣].
ينظر : تفسير القاسمي (٨ / ٣٥٩ ، ٣٦٠).
(١) ذكره السيوطي في الدر (٣ / ٥٢٢) وعزاه لابن أبي حاتم عن قتادة ، ولأبي الشيخ عن الضحاك وذكره بمعناه البغوي في تفسيره (٢ / ٣٤٠).
(٢) في أ : وتركهم.
(٣) سقط في ب.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
