السفر لتعلم العلم والتفقه في الدين عن الكل إذا قام بعض بذلك يخرجون ويتعلمون ثم يعلمون قومهم (١) ؛ لأنه قال : (فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ ...) الآية.
وفيه أيضا دلالة سقوط فرض الجهاد عن الجماعة إذا قام بعضهم عن بعض.
وفيه دلالة لزوم العمل بخبر الآحاد (٢) وإن احتمل الغلط ؛ لأن ما ذكر من الطائفة
__________________
(١) قال السيوطي في (الإكليل) : في الآية أن الجهاد فرض كفاية ، وأن التفقه في الدين ، ونشر العلم ، وتعليم الجاهلين كذلك. وفيها الرحلة في طلب العلم.
وقال القاضي : (لا تدل الآية على وجوب العمل بخبر الواحد ؛ لأن الطائفة قد تكون جماعة يقع بخبرها الحجة ، ولأن قوله : (وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ) يصح وإن لم يجب القبول ، كما أن الشاهد الواحد يلزمه الشهادة ، وإن لم يلزم القبول ، ولأن الإنذار يتضمن التخويف ، وهذا العذر لا يقتضي وجوب العمل به.
والجواب : أنا بينا أن كل ثلاثة فرقة ، وقد أوجب الله أن يخرج من كل فرقة طائفة ، فلزم كون الطائفة إما اثنين أو واحدا ، فبطل كون الطائفة جماعة يحصل العلم بخبرهم ، فإن قيل : إنه تعالى أوجب العمل بقول أولئك الطوائف ، فلعلهم بلغوا في الكثرة إلى حيث يحصل العلم بخبرهم.
فالجواب : أنه تعالى أوجب على كل طائفة أن يرجعوا إلى قومهم ، فاقتضى رجوع كل طائفة إلى قوم خاص ، ثم إنه تعالى أوجب العمل بقول تلك الطائفة ، وهو المطلوب. وأما قوله : (وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ) يصح وإن لم يجب القبول ، فالجواب : أنا لا نتمسك في وجوب العمل بخبر الواحد بقوله : وَلِيُنْذِرُوا بل بقوله : (لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) فإنه ترغيب منه تعالى في الحذر ، بناء على أن ذلك الإنذار يقتضي إيجاب العمل على وفق ذلك الإنذار.
الفقه : معرفة أحكام الدين ، وهو ينقسم إلى فرض عين ، وفرض كفاية ، ففرض العين مثل : علم الطهارة والصلاة والصوم ، فعلى كل مكلف معرفته ، قال عليه الصلاة والسلام : «طلب العلم فريضة على كل مسلم» وكذلك كل عبادة أوجبها الشرع على كل واحد يجب عليه معرفة علمها مثل : علم الزكاة إن كان له مال ، وعلم الحج إن وجب عليه.
وأما فرض الكفاية ، فهو أن يتعلم حتى يبلغ رتبة الاجتهاد ، فإذا قعد أهل بلد عن تعلمه عصوا جميعا ، وإذا قام من كل بلد واحد بتعلمه سقط الفرض عن الآخرين ، وعليهم تقليده فيما يقع لهم من الحوادث ، قال عليه الصلاة والسلام : «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم».
ينظر : تفسير القاسمي (٨ / ٣٥٩) ، واللباب (١٠ / ٢٤١ ـ ٢٤٢).
(٢) قال الجصاص في (الأحكام) : في الآية دلالة على لزوم خبر الواحد في الديانات التي لا تلزم العامة ، ولا تعم الحاجة إليها ؛ وذلك لأن الطائفة لما كانت مأمورة بالإنذار انتظم فحوى الدلالة عليه من وجهين :
أحدهما : أن الإنذار يقتضي فعل المأمور به ، وإلا لم يكن إنذارا.
والثاني : أمره إيانا بالحذر عند إنذار الطائفة ؛ لأن معنى قوله : (لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) ليحذروا ، وذلك يتضمن لزوم العمل بخبر الواحد ؛ لأن الطائفة تقع على الواحد ، فدلالتها ظاهرة. انتهى.
وفي القاموس : أن الطائفة من الشيء القطعة منه ، أو الواحدة ، فصاعدا ، أو إلى الألف ، أو أقلها رجلان ، أو رجل ، فيكون بمعنى (النفس الطائفة).
قال الراغب : إذا أريد بالطائفة الجمع ، فجمع (طائف) ، وإذا أريد به الواحد ، فيصح أن يكون جمعا ، وكنى به عن الواحد ، وأن يجعل ك (راوية) و (علامة) ونحو ذلك.
الثاني : إن قيل : كان الظاهر في الآية (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) فلم وضع موضع (التعليم) الإنذار ، وموضع (يفقهون) يحذرون؟ يجاب بأن ذلك آذن ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
