فتنتك أن يكون ذلك امتحانا وابتلاء ابتداء ، أي : تفعله امتحانا وابتلاء لا تعذيبا.
ويحتمل أن يكون على الاستفهام ، لكن لم يخرج له الجواب ؛ كقوله : (أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ) [الرعد : ٣٣] ، وقوله : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ) [الأنعام : ٢١] ونحوه مما لم يخرج له جواب ؛ فعلى ذلك هذا.
ويجوز أن يكون إهلاكه إياهم محنة بتفريط كان من بعضهم ، وإن كان بعضهم برآء من ذلك على ما كان من أهل المركز من العصيان ، وكان الفشل والهزيمة عليهم محنة منه إياهم ؛ كقوله : (إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ...) الآية [آل عمران : ١٥٢] ؛ فعلى ذلك هذا.
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ).
قال أبو بكر : تضل بها ، أي : تنهى من تشاء [نهيا ما لو لا ذلك النهي لم يكن الفعل فعل الضلال ، وتهدى من تشاء أي تأمره أمرا ما لو لا ذلك الأمر لم يكن الفعل](١) فعل الاهتداء ، لكن حرف «من» إنما يعبر به [عن](٢) الأشخاص دون الأفعال (٣) ، فلو كان على ما ذكر هو ، لقال : تضل به ما تشاء ، فإن لم (٤) يقل ذا ، ثبت أنه ليس على ما ذكر.
وتأويله عندنا : أنه يخلق فعل الضلال ممن يعلم أنه يختار ذلك ، ويخلق فعل الهدى ممن يعلم أنه يختار ذلك ، وهو خالق كل شيء.
وأصل ذلك : أن جميع ما يضاف إلى الله من طريق الأفعال على اختلاف الإضافة باختلاف وجوهها حقيقة ، ذلك من الله خلق ما أضيف إليه من الوجه الذي يحق وصفه بأنه خالقه ؛ فعلى ذلك قوله : (تَهْدِي) و (تُضِلُّ).
ويحتمل : توفق وتخذل.
وقوله ـ عزوجل ـ : (أَنْتَ وَلِيُّنا) أي : أنت أولى بنا.
ويحتمل : أنت ولي هدايتنا.
أو : أنت ولي نعمتنا.
(فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ).
__________________
(١) سقط في أ.
(٢) سقط في ب.
(٣) ينظر الكلام على «من» في : المقتضب للمبرد (١ / ٤٤ ـ ٤ / ١٣٦) ، الأصول لابن السراج (١ / ٤٠٩) ، وارتشاف الضرب (٤٤٢) ، مصابيح المغاني (٤٥٦) الجنى الداني (٣١٩) ، الإنصاف (٣٧١) ، الأزهية للهروي (٢٢٤).
(٤) في ب : فإذا لم.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
