__________________
ـ الراوندي ليعارض بها دعوى رسالة سيد العالم محمد صلىاللهعليهوسلم ؛ إذ لو كانت متواترة كما تدعون لنقلت إلينا من أحباركم الذين أسلموا وهم أعرف الناس بهذه الشريعة ككعب الأحبار وابن سلام ووهب بن منبه وغيرهم.
وما زعموا أن في التوراة : (تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض) فمدفوع بأنه لا تواتر في التوراة الكائنة الآن لاتفاق أهل النقل على إحراق بختنصر أسفارها وأنه لم يبق من يحفظها ، بل ذكر أحبارهم أن عزيرا ألهمها فكتبها ودفعها إلى تلميذ ليقرأها عليهم فأخذوها من التلميذ) وبخبر الواحد لا يثبت التواتر ، وبعضهم زعم أن التلميذ زاد فيها ونقص فكيف يوثق بما هذا سبيله ، ولذا لم تزل نسخها الثلاث التي بأيدى النيافة ، والتى بأيدي السامرية ، والتى بأيدي النصارى مختلفة في أعمار الدنيا وأهلها ، ففي نسخة السامرية زيادة ألف سنة وكسر على ما في نسخة النيافة. وفي نسخة النصارى زيادة ألف سنة وثلاثمائة وفيها الوعد بخروج المسيح وبخروج العربي صاحب الجمل وارتفاع تحريم السبت عند خروجهما ، على أن السامرية أنبأت بأن من هبوط آدم عليهالسلام إلى الطوفان ألف سنة وثلاثمائة وسبع سنين. وأنبأت البدانية وهي التي بأيدي اليهود إلى زماننا بأن بين هبوط آدم والطوفان ألف سنة وخمسمائة وستا وخمسين سنة وهو باطل باتفاق ، وأيضا لو كانت هذه النقول صحيحة لكانت أقوى دليل يتمسكون به في محاجة الرسول ومعارضته في زمنه عليه الصلاة والسلام.
وأيضا يقال لهم : (كيف تدعون التواتر وأنتم مختلفون في متن الحديث ؛ فإن منكم من قال : الحديث (إن أطعتموني كما أمرتكم به ونهيتكم عنه ثبت ملككم كما ثبتت السموات والأرض) وليس في ذلك ما يدل على إحالة النسخ ، على أننا لو سلمنا لهم صحة ما نقلوه فيحتمل أنه أراد من الشريعة التوحيد ، ويحتمل أنه أراد بقوله : (مؤبدة) ما لم تنسخ بشريعة نبى آخر. ومع احتمال هذه التأويلات فلا يعارض قوله ما ظهر على يد النبي صلىاللهعليهوسلم من المعجزات القاطعة الدالة على صدقه في دعواه الرسالة ونسخ شريعة من تقدم ، كيف وأن لفظ التأبيد قد ورد في التوراة ولم يرد به الدوام ؛ كقوله : (إن العبد يستخدم ست سنين ثم يعتق في السابعة فإن أبى العتق فلتثقب أذنه ...) وكقوله في البقرة التي أمروا بذبحها : (هذه سنة لكم أبدا ...) وكقوله : (قربوا كل يوم خروفين قربانا دائما).
حجة أبي مسلم في عدم الوقوع والرد عليها :
هي أن القرآن جاء موصوفا بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فلو نسخ بعضه لتطرق إليه البطلان.
أجاب البيضاوي وغيره بأن الضمير لمجموع القرآن ومجموع القرآن لا ينسخ اتفاقا. وأجاب في المحصول بأن المراد أن هذا الكتاب لم يتقدمه من كتب الله ما يبطله ولا يأتيه من بعد ما يبطله.
وأجاب غيرهما بأن النسخ إبطال لا باطل فإن الباطل ضد الحق.
من هذا الدليل يتضح لنا جليّا أن أبا مسلم لم ينكر وقوع النسخ إلا في القرآن فقط وهو الذي حكاه الإمام الرازي وأتباعه عنه ، وحكى الآمدي وابن الحاجب إنكاره وقوع النسخ مطلقا ، وقيل : أنكره في شريعة واحدة ، وقيل : لم ينكر وقوعه وإنما سماه تخصيصا لأنه قصر للحكم على بعض الأزمان فهو كالتخصيص في الأعيان.
والتحقيق أن الخلاف بيننا وبينه لفظي ؛ إذ لا يتصور من مسلم آمن بالله وملائكته وكتبه إنكار النسخ لكونه من ضروريات الدين ضرورة ثبوت نسخ بعض الأحكام في الشرائع السابقة بالأدلة القاطعة على حقيقة شريعتنا ، ونسخ بعض أحكام شريعتنا بالأدلة القاطعة من شريعتنا ، والذي ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
