__________________
ـ ونقل عن ابن سريج أنه يجوزها ، ولم يقيد الإمام في نقله عن ابن سريج بالمحقرات كما قيد في نقله عن أبي حنيفة ؛ ولعله أراد ذلك واكتفى بالتقيد عن أبي حنيفة. وقد أنكر الشيخ أبو عمر ابن الصلاح على الغزالي كونه حكى عن ابن سريج تجويزها في المحقرات ، وقال : ليست مختصة عن ابن سريج بالمحقرات. وهذا الإنكار على الغزالي غير معقول ؛ لأن المشهور عن ابن سريج التخصيص بالمحقرات. واختار جماعات من العلماء جواز البيع بالمعاطاة فيما يعد بيعا.
وقال مالك في كل ما عده الناس بيعا فهو بيع ، وممن اختار من العلماء أن المعاطاة فيما يعد بيعا صحيحة صاحب الشامل والمتولي والبغوي والروياني.
وكان الروياني يفتي به وقال المتولي : وهذا هو المختار للفتوى وكذا قال آخرون. وهذا هو المختار ؛ لأن الله أحل البيع ولم يثبت في الشرع لفظ له ؛ فوجب الرجوع إلى العرف ، فكل ما عده الناس بيعا كان بيعا كما في القبض والحرز وإحياء الموات وغير ذلك من الألفاظ المطلقة فإنها كلها تحمل على العرف. ولفظة البيع مشهورة وقد استمرت الأحاديث بالبيع من النبي صلىاللهعليهوسلم وأصحابه ولم يثبت في شيء منها مع كثرتها اشتراط الإيجاب والقبول لا في زمنه ولا بعده.
وقد أوضح هذه المسألة المتولي فقال : المعاطاة التي جرت بها العادة بأن يزن النقد ويأخذ المتاع من غير إيجاب ولا قبول ليست بيعا على المشهور من مذهب الشافعية. وقال ابن سريج : كل ما جرت فيه العادة بالمعاطاة وعده العرف بيعا فهو بيع ، وما لم تجر فيه العادة بالمعاطاة كالدواب ، والجواري ، والعقار ، لا يكون بيعا ، قال : وهذا هو المختار للفتوى وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة : المعاطاة بيع في المحقرات فأما النفيس فلا بد فيه من الإيجاب والقبول.
ووجه المشهور القياس على النكاح فإنه لا ينعقد إلا باللفظ ووجه ابن سريج أن البيع كان معهودا قبل ورود الشرع فورد ولم يغير حقيقته ، بل علق به أحكاما ، فوجب الرجوع فيه إلى العرف ، وكل ما عدوه بيعا جعلناه بيعا ، كما يرجع في إحياء الموات ، والحرز ، والقبض إلى العرف.
والرجوع في الكثير والقليل ، والنفيس ، والمحقر ، إلى العرف ، فما عده من المحقرات وعده بيعا فهو بيع وإلا فلا ؛ هذا هو المشهور تفريعا على الصحة أي صحة المعاطاة ، وحكى الرافعي وجها أن المحقر دون نصاب الرق وهذا شاذ ضعيف ؛ بل الصواب أنه لا يختص بذلك ، بل يتجاوزه إلى ما يعده أهل العرف بيعا.
وإذا قلنا بالمشهور أن المعاطاة لا يصح بها البيع ففي حكم المأخوذ بها ثلاثة أوجه حكاها المتولي وغيره ، وحكاها آخرون متفرقة :
الأول ـ وهو أصحها عندهم ـ : أن له حكم المقبوض ببيع فاسد ، فيطالب كل منهما صاحبه بما دفعه إليه إن كان باقيا أو بدله إن كان تالفا. ويجب على كل رد ما قبضه إن كان باقيا أو بدله إن كان تالفا. فلو كان الثمن الذي قبضه البائع مثل القيمة فقد قال الغزالي في الإحياء : هو مستحق ظفر بمثل حقه ، والمالك راض فله تملكه لا محالة. وظاهر كلام المتولي وغيره أنه يجب ردها مطلقا.
والوجه الثاني : أن هذا إباحة لازمة فلا يجوز الرجوع. قاله القاضي أبو الطيب وحكاه عنه صاحب الشامل. قال : وأوردت وأجاب فأوردت على جوابه وذكر ذلك الإيراد. وحاصل تضعيف هذا الوجه بما ضعفه هو والمتولي ، وهو أنه لو أتلف أحدهما ما أخذه وبقي مع الآخر ما أخذه لم يكن لمن تلف في يده أن يسترد الباقي في يد صاحبه من غير أن يغرم له بدل ما تلف عنده ، ولو كان هذا إباحة لكان له الرجوع كما لو أباح كل واحد منهما لصاحبه طعامه وأكل أحدهما دون الآخر فإن للآكل أن يرجع عن الإباحة ويسترد طعامه بلا خلاف.
والوجه الثالث : أن العوضين يستردان ، فإن تلفا فلا مطالبة لأحدهما ويسقط عنهما الضمان ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
